التخطي إلى المحتوى

يتحدث الناقد الفني طارق الشناوي عن الجدل المتكرر الذي يثار حول بعض الأعمال الغنائية، مؤكدًا أن الحكم على الأغاني وتلقيها لا يمكن اختزاله في ذوق شخصي أو معيار ثابت، لأن تقييم الفن مرتبط بعوامل أوسع تتمثل في السياق الفني والاجتماعي، وطبيعة اللغة الغنائية، والرسالة العاطفية التي تحملها الكلمات. ويفتح الشناوي بذلك نقاشًا مهمًا حول لماذا تُثار بعض الأعمال أكثر من غيرها، رغم أن الاختلاف في الصياغات والأساليب حاضر منذ زمن طويل داخل تاريخ الغناء المصري.

ويشير الشناوي في مداخلته ببرنامج «صباح البلد» عبر قناة «صدى البلد» إلى أن الذوق الغنائي لا يخضع لمعيار مطلق يمكن من خلاله وضع حكم نهائي على جميع الأعمال في كل زمان ومكان. فالجمهور لا يستقبل الأغنية كجملة لغوية معزولة، بل كمنظومة متكاملة تشمل اللحن والأداء والتمثيل الصوتي وطريقة الإلقاء والإطار الذي جاءت فيه الأغنية. لذلك، قد يجد المتلقي نفسه متقبلًا لتعبيرات قد تبدو “غير منسجمة” لغويًا، طالما أنها تؤدي دورًا واضحًا داخل البناء العاطفي للعمل.

ومن الأمثلة التي يستشهد بها الشناوي قصيدة «لا تكذبي» التي كتبها الشاعر كامل الشناوي، حيث تتضمن الكلمات مخاطبة من رجل إلى حبيبته. وعلى الرغم من أن النص يفترض “صوتًا” مختلفًا وفق منظور المخاطَب (أي اختلاف جنس المؤدي عن جنس المتكلم في الكلمات)، إلا أن الفنانة نجاة قدمت الأغنية بصوتها وحققت نجاحًا لافتًا، ولم يشكّل ذلك عائقًا أمام الجمهور. ويرى الشناوي أن سر قبول العمل يكمن في أن الجمهور ينظر إلى الأغنية بوصفها لغة فنية مرنة؛ فالمغنية تؤدي المعنى وتمنحه إحساسًا مختلفًا، فيتحول النص من منظور لغوي حرفي إلى تجربة شعورية كاملة.

كما يلفت الناقد الفني إلى أن صيغة المذكر كانت حاضرة في عدد كبير من الأغاني العاطفية المصرية، بما في ذلك الأعمال التي عبّرت عن الحب من منظور المرأة أو الرجل عبر تراكيب تخاطبية مثل «يا حبيبي»، وهو أسلوب لغوي يتكرر كثيرًا في الدراما الغنائية. ويذكر الشناوي مثالًا واضحًا من تجربة الفنان عبد الحليم حافظ، حيث استخدمت بعض أعماله تعابير موجهة أو صيغًا لغوية تتصل بخطاب عاطفي، دون أن يُنظر إليها كسبب لرفض الأغنية أو التشكيك في مضمونها.

ويؤكد الشناوي أن الجمهور كان يتعامل مع هذه التعبيرات باعتبارها جزءًا من النسيج اللغوي للغناء، وليست حكمًا على “من يجب أن يكون المتكلم” حرفيًا. فالأغنية العاطفية غالبًا ما تعمل على تحويل اللغة إلى أداء وجداني، حيث يصبح المهم هو صدق المشاعر وقوة اللحن وقدرة الصوت على نقل المعنى إلى المستمع.

ولتعميق الفكرة، يمكن القول إن الجدل حول بعض الأغاني قد ينشأ عندما يتعامل جزء من الجمهور مع الكلمات بوصفها نصًا لغويًا جامدًا، في حين أن الفن الغنائي يعتمد على الأداء والاستعارة والتقمص العاطفي. فحين تكون الصياغة منسجمة مع اللحن ومع طريقة الأداء، يميل المتلقي إلى تقبل الاختلافات الصرفية أو الضمائر باعتبارها جزءًا من التعبير الفني. أما إذا فقدت الأغنية انسجامها بين المعنى والأداء أو جاءت في سياق غير مألوف، فقد تتضخم الحساسية تجاه التفاصيل الصغيرة، فتتحول المسألة من “طبيعة التلقي” إلى “جدل لغوي” قد لا يعكس جوهر العمل.

في النهاية، يلخص طارق الشناوي رؤيته بأن اختلاف الصيغ اللغوية أو تغير جنس المؤدي لا يعني بالضرورة خللًا أو سببًا للرفض، لأن تقييم الأغنية يرتبط بتأثيرها الفني وبقدرتها على بناء علاقة عاطفية مع الجمهور. وتؤكد الأمثلة التاريخية من الغناء المصري أن كثيرًا من الأعمال نجحت وتغلّبت على احتمالات الجدل، ما دام الجمهور يرى فيها تجربة إنسانية كاملة لا تُختصر في حرفية النص.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *