أكدت فيكي برايس، كبيرة المستشارين الاقتصاديين في مركز البحوث الاقتصادية، أن ما تواجهه أوروبا حاليًا يُعد بمثابة إعادة تقدير دقيقة لتكلفة الكوارث المناخية التي اجتاحت مناطق واسعة خلال موجات حر شديدة أعقبتها حرائق غابات وتداعيات ممتدة على قطاعات اقتصادية متعددة.
وأوضحت برايس، في حديثها مع الإعلامية روان علي ضمن برنامج “النشرة الاقتصادية” على قناة القاهرة الإخبارية، أن التقديرات الجديدة تشير إلى أن كلفة هذه الموجات الحرارية والحرائق قد تصل إلى نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل مئات المليارات من اليورو. وأشارت إلى أن هذا الرقم لا يعكس فقط الخسائر المباشرة، بل يتضمن أيضًا آثارًا غير مباشرة ناتجة عن تعطّل سلاسل الإمداد وتوقفات العمل وارتفاع تكاليف التأمين والإنقاذ.
من ناحية الاقتصاد الكلي، رأت برايس أن هذه الأعباء قد تؤثر على مسار النمو. فإذا كانت بعض توقعات النمو تضع في الاعتبار افتراضات سابقة حول معدلات النشاط والطلب، فإن “إعادة تقييم” هذه المؤشرات لعام 2026 قد تصبح ضرورية. ولفتت إلى أن وصول صدمة التكلفة إلى مستوى قريب من 1% قد يغيّر توقعات النمو ويولّد تداعيات أوسع تتصل بالاستثمار والطلب والاستهلاك.
وفيما يتعلق بتمويل عمليات إعادة الإعمار، أوضحت برايس أن الاتجاه نحو الاقتراض لتغطية جزء من الإنفاق التعويضي يطرح تحديًا أمام استدامة الدين العام الأوروبي. كما أشارت إلى أن طبيعة وشدة الأضرار ليست موحّدة بين الدول، ما يجعل الأثر المالي متفاوتًا ويزيد من الفجوات بين الاقتصادات من حيث القدرة على الاستجابة. فكل دولة تتعامل مع تكلفة مختلفة وفقًا لحجم الحرائق أو درجة الجفاف ومقدار تراجع الموارد الطبيعية خلال موجات الطقس القاسية.
وذكرت برايس أن دولًا مثل فرنسا واليونان وإسبانيا شهدت حرائق غابات واسعة، في حين كانت آثار دول أخرى أشد نتيجة انخفاض منسوب المياه بسبب موجات الجفاف. وأكدت أن تراجع المياه لم يقتصر على جوانب البيئة فقط، بل انعكس مباشرة على إنتاج الطاقة، بما في ذلك تأثيرات على بعض محطات الطاقة النووية التي تعتمد على توفر مصادر تبريد فعّالة ضمن ظروف مناخية ملائمة.
كما أكدت أن تداعيات الكوارث المناخية تتوزع على نطاق واسع بين القطاعات؛ إذ تشمل أضرارًا بالمحاصيل الزراعية وانخفاضًا في الإنتاجية، وتراجعًا في إمدادات بعض السلع، وارتفاعًا في تكاليف النقل والتشغيل، فضلًا عن تأثيرات على السياحة. فالمناطق المتضررة قد تشهد تراجعًا في عدد الزوار نتيجة المخاطر المناخية أو الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية والخدمات المحلية.
وبالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية، شددت برايس على أن ارتفاع تكاليف إعادة الإعمار قد يفرض ضغطًا إضافيًا على الميزانيات العامة، خصوصًا في الدول التي تتعرض بشكل متكرر لموجات حرائق واسعة أو جفاف شديد. ومع تصاعد وتيرة الأحداث المناخية غير المسبوقة، يصبح من الضروري—اقتصاديًا وماليًا—تقييم نماذج الإنفاق والطوارئ وإدماج مخاطر المناخ بشكل أعمق في السياسات المالية والاستثمارية.
وبذلك، فإن تقديرات وصول تكلفة الكوارث المناخية إلى نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي تُعد مؤشرًا إنذاريا على أن أوروبا قد تواجه مزيدًا من الضغوط على المالية العامة وتحديات في الحفاظ على مسار النمو، ما يستدعي خططًا أكثر كفاءة للتكيف والتخفيف وإدارة المخاطر على مستوى القطاعات والدول.

التعليقات