التخطي إلى المحتوى

أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن تقديم قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} في سورة الفاتحة يحمل دلالات بلاغية وإيمانية عميقة مع الله عز وجل.

وأوضح الجندي خلال برنامج «لعلهم يفقهون»، المذاع عبر قناة «Dmc»، أن «العبادة» هي حقٌّ لله سبحانه وتعالى، وتُؤدَّى على وجهٍ يليق بجلاله وكماله، أما «الاستعانة» فهي طلب العون لحاجة العبد؛ لذلك كان من المناسب تقديم ما يتصل بتعظيم الله وإظهار أولوية حقه، على ما يرتبط بسؤال المخلوق لاحتياجه.

وبيّن أن علماء التفسير، ومنهم الإمام الماوردي في كتابه «النكت والعيون»، نقلوا عن التابعين علة إضافية لهذا الترتيب، تتمثل في أن العبادة تصح بذاتها حتى وإن لم تقترن في لحظتها بالدعاء والاستعانة، في حين أن الاستعانة والدعاء لا تُثمر ولا يكون لهما قبول عند الله إلا إذا سبقهما الإيمان وترسخت أصول العبادة.

وأضاف الجندي أن القرآن يقرر هذه القاعدة في أكثر من موضع، ومنها قوله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}، بما يدل على أن الدعاء والاستعانة ليستا مجرد ألفاظ تُقال، بل هما ثمرة لانقياد القلب لله وصدق التوجّه إليه.

ومن زاوية تربوية وإيمانية، فإن ترتيب الفاتحة يرسم للمؤمن منهجاً متكاملاً في العلاقة مع الله: يبدأ بتوحيد العبودية وإخلاص العمل، ثم يتوجّه بعد ذلك بطلب العون على الطاعة والثبات عليها. فالمعنى يتضمن الاعتراف بأن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا دفعاً، وأن الاستعانة بالله تأتي لتقوية السير إليه، لا لتكون بدلاً عن العبادة.

كما يمكن فهم هذا التقديم على أنه تعليم عملي للالتزام بمقاصد العبادات: فالعبادة أولاً هي الأساس الذي تصح به نية العبد، والاستعانة ثانياً هي الوسيلة التي يستعين بها على تحقيق العبادة والقيام بحقها. وبذلك يجتمع في الفاتحة معنى العبادة والتفويض، ويُستحضر في كل ركعة شعور المسؤولية الروحية: أن أبدأ بتعظيم الله وحقه، ثم أسأل عونه لأداء هذا الحق على الوجه الذي يرضيه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *