التخطي إلى المحتوى

قال السفير أيمن زين الدين، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن تماسك المجتمع الإيراني يُعد عاملًا جوهريًا يجعل مهمة الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا، موضحًا أن الضغوط الخارجية دفعت قطاعات من المجتمع إلى مزيد من التمسك بقيادة البلاد بدلًا من تفكك الداخل.

## كيف يعكس ضغط الخارج تماسك الداخل؟
وأشار زين الدين إلى أن التقارير التي كانت تصل إلى الإدارة الأمريكية لم تنجح -بحسب تقديره- في نقل صورة دقيقة وشاملة لطبيعة المجتمع الإيراني، مؤكدًا أن الضغط على إيران ساهم في تعزيز وحدة الموقف الشعبي وزيادة استعداد قطاعات واسعة لاحتساب كلفة المواجهة ضمن معادلة استراتيجية أوسع.
وأضاف أن إدراك بعض المؤسسات الأمريكية لطبيعة الوضع في إيران موجود، لكن طريقة قراءة واشنطن للأزمة لا تزال محكومة أيضًا بالحسابات السياسية والمصالح الأمريكية، وهو ما ينعكس على خياراتها في إدارة الملف.

## الحرب تغيّر الأولويات وتعيد ترتيب الحسابات
ولفت نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن اندلاع الحرب أدى إلى تغيير بعض الحسابات، إذ تراجعت -في أوقات معينة- الخلافات الداخلية أمام أولوية حماية البلاد من أي عدوان خارجي. وأوضح أن وجود اختلافات داخل المجتمع الإيراني حول النظام السياسي لا يعني بالضرورة أن هذه الاختلافات قادرة في تلك اللحظة على إنتاج تحول حاسم أو تغيير سريع في موازين القوى.

ومن زاوية أوسع، يمكن فهم ذلك بأن الأزمات الخارجية عادةً تعمل كعامل جمع داخلي؛ فحتى التباينات الأيديولوجية أو السياسية تميل إلى التراجع أمام الحاجة إلى الصمود، خصوصًا عندما تتزايد المخاوف من انعكاسات مباشرة على الأمن والاستقلال الاقتصادي.

## الوساطة: تتحرك مرتين عندما يصبح المشهد قابلًا للبناء
وفيما يتعلق بمسارات الوساطة والتفاوض، أكد زين الدين أن الوساطة تنشط عادةً في لحظتين رئيسيتين: الأولى عندما يكون مستوى الخطر مرتفعًا بما يكفي لدفع الأطراف إلى التفكير في مخارج سياسية، والثانية عندما تظهر فرصة دبلوماسية ملموسة يمكن البناء عليها.

وأضاف أن عوامل مثل تزايد التكاليف البشرية والاقتصادية، وتغير مواقف شركاء إقليميين، واحتمال توسع نطاق المواجهات قد تدفع نحو نافذة تفاوضية. لكن في الظروف الحالية، أشار إلى أن حالة الجمود لا تبدو مناسبة لتحرك دبلوماسي واسع، خصوصًا مع غياب شعور لدى أي من الطرفين بأن الوقت قد حان لإنهاء المفاوضات.

## أدوار دول الوساطة والضغط الدبلوماسي الإقليمي
وعن الدول التي تضطلع بدور في جهود الوساطة، ذكر زين الدين وجود أدوار للدول التالية: مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان، وسلطنة عمان، وقطر. وتبرز أهمية هذه الأدوار عادةً عبر قنوات الاتصال، وتهيئة مساحات التفاهم، وإدارة التفاهمات الفنية حول التزامات الطرفين.

كما يمكن تفسير دور هذه العواصم في كونها قريبة من بيئات التأثير المختلفة: بعضها يمتلك وزنًا إقليميًا أو علاقات مع أطراف متعددة، ما يجعله قادرًا على تقديم مقترحات عملية تتجاوز الخطاب العام إلى آليات تنفيذية.

## شروط إيران: اتفاق يضمن المستقبل الاستراتيجي
وأكد زين الدين أن إيران لن تنهي المفاوضات ما لم تطمئن إلى مستقبلها الاستراتيجي، مشددًا على ضرورة إنهاء حالة الحصار والعقوبات التي تعرضت لها لعقود. ووفقًا لتقديره، ترى طهران أن أي اتفاق مؤقت أو محدود لم يعد كافيًا، لأن تراكم تجربة العقوبات يجعلها أكثر حساسية تجاه ضمانات التنفيذ والاستمرارية.

ومن هنا، غالبًا ما يصبح النقاش حول رفع العقوبات بصورة متدرجة أو شاملة، وجدول التزامات كل طرف، ووجود ضمانات دولية، عناصر حاسمة تحدد ما إذا كان يمكن تحويل التفاهم إلى مسار طويل الأمد.

## شروط الولايات المتحدة: توازن القوة ومنع الانطباع بالانتصار لطرف واحد
وفي المقابل، أوضح زين الدين أن الولايات المتحدة -بحسب تقديره- لن تقبل بالخروج من الأزمة باتفاق يجعل إيران تبدو وكأنها الطرف المنتصر. ويعكس هذا الشرط طبيعة القراءة الأمريكية للأزمة بوصفها اختبارًا لمخرجات السياسة الخارجية والردع، وليس مجرد ترتيبات تقنية.

وبذلك يتضح أن الفجوة ليست فقط في التفاصيل، بل في مفهوم “شكل نهاية الأزمة”: هل هي صفقة تمكن من تخفيف التوتر بحدها الأدنى، أم تفاهم يغير قواعد اللعبة بما يحقق أهداف كل طرف دون أن يخلّ بموازين الردع والشرعية السياسية داخليًا.

## خلاصة
يرى زين الدين أن تماسك المجتمع الإيراني، وتغير الأولويات بفعل الحرب، واشتراط كل طرف شروطًا تتعلق بالمستقبل الاستراتيجي والاعتبارات السياسية، كلها عوامل تفسر استمرار صعوبة الوصول لاتفاق شامل. وفي الوقت نفسه، تبقى الوساطة مرهونة بظهور لحظة خطر مرتفعة أو فرصة دبلوماسية حقيقية، وبإحساس الطرفين أن الوقت مناسب لإنهاء المفاوضات وليس مجرد إدارة الأزمة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *