التخطي إلى المحتوى

نجاح كوريا الجنوبية في بناء قطاع قوي لأشباه الموصلات دفع الحكومة إلى عدم الاكتفاء بالرهان على التكنولوجيا الحالية، بل إطلاق استراتيجية وطنية طموحة تربط بين الحوسبة الكمية والفضاء والطاقة النووية والتكنولوجيا الحيوية في منظومة واحدة. الفكرة الأساسية هي تجهيز اقتصاد البلاد بمحركات نمو جديدة قبل أن يستحوذ المنافسون على الفرص المتاحة عالميًا، عبر أهداف تقنية وزمنية محددة تشمل تطوير قدرات فضائية، وتحسين البنية الحوسبية الكمية، وإطلاق تطبيقات تجارية متقدمة مثل واجهات الدماغ والحاسوب.

في تقرير صادر عن Reuters، تظهر الخطة تحت اسم «Seven Major SEED» أي «مبادرة المشروعات السبع الرئيسية للمحركات المستقبلية». وتستند إلى سبعة محاور كبرى تشمل: المفاعلات النووية الصغيرة، والطاقة الاندماجية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الكمية، والفضاء والطيران، والتكنولوجيا الحيوية المتقدمة، إضافة إلى المعادن والمواد الحيوية. وتؤكد الحكومة أن هذا الدمج ليس مجرد تشتت في مشاريع منفصلة، بل طريق لبناء سلاسل قيمة مترابطة؛ فالتكنولوجيا الكمية والفضاء تحتاج إلى تطورات في المواد والمكونات، بينما الطاقة النووية والاندماجية توفر أساسًا للطاقة ذات الموثوقية اللازمة للأبحاث والقطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك.

أحد أبرز أهداف الخطة يتمثل في تطوير معالج كمي محلي مصحح للأخطاء بقدرة تصل إلى 100 كيوبت بحلول عام 2029. ويُعد تصحيح الأخطاء في الحواسيب الكمية خطوة حاسمة، لأنه يقلل تأثير الضجيج والتذبذبات التي تعيق أداء الأنظمة الكمية. وبالتوازي، تسعى كوريا الجنوبية إلى تنفيذ مهمة هبوط على القمر بحلول 2030، ثم إطلاق مهمة قمرية إضافية لاحقًا لتوسيع نطاق التجارب وبناء خبرات عمليات الهبوط والاتصالات والاستكشاف.

ومن العناصر العملية الأخرى ضمن الخطة إنشاء شبكة اتصالات مستقلة عبر الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض. ويعكس هذا التوجه رغبة في تقليل الاعتماد على مزودين خارجيين في قطاع الاتصالات الفضائية، وضمان توفر قنوات بيانات عالية الموثوقية لدعم مهام الفضاء والبحث العلمي والاتصالات الاستراتيجية.

وعلى صعيد الطاقة، تركز الخطة على المفاعلات النووية الصغيرة باعتبارها خيارًا أكثر قابلية للتوسع والتمركز في مواقع متعددة، مع دعم مسار طويل يتصل أيضًا بالطاقة الاندماجية. وتستهدف هذه المحاور توفير طاقة مستقرة على المدى الطويل، وهو عنصر جوهري لتقنيات عالية المتطلبات مثل مراكز البيانات، والبحث في الحوسبة الكمية، والمنظومات الفضائية التي تتطلب بنية تحتية دقيقة.

وفي المجال الحيوي، لا تكتفي كوريا الجنوبية بتطوير أبحاث مختبرية تقليدية، بل تتجه نحو دمج الذكاء الاصطناعي مع التكنولوجيا الحيوية لتعزيز اكتشاف الأدوية. ويشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الأهداف الدوائية والتنبؤ بالنتائج، إلى جانب مختبرات ذاتية التشغيل قادرة على تنفيذ تجارب بصورة شبه مستقلة لتقليل زمن دورة البحث والتطوير. كما تتضمن الرؤية العمل على طرح منتجات تعتمد على واجهات الدماغ والحاسوب تجاريًا، بما يفتح الباب لتطبيقات في مجالات إعادة التأهيل العصبي والدعم الإدراكي وغيرها من الاستخدامات الطبية والتقنية.

ولتعزيز التنفيذ على الأرض، تعتزم كوريا الجنوبية ضخ استثمارات ضخمة، تصل إلى 10 تريليونات وون، في تقنيات المواد والمكونات والمعدات. ويُعد هذا التمويل موجهاً لمعالجة عنق الزجاجة المتكرر في التكنولوجيا المتقدمة: القدرة على تصنيع المكونات ومواد متخصصة، وتأمين المعدات اللازمة، وبناء سلسلة توريد محلية تقلل التكاليف وتسرّع الإنتاج.

إجمالًا، تقدم «Seven Major SEED» نموذجًا لاستراتيجية صناعية وتقنية متكاملة: من الرقائق والبنية التحتية الرقمية، إلى القمر والطاقة والبيولوجيا. والرهان هنا أن تكون كوريا الجنوبية قادرة على تحويل ميزتها الحالية في أشباه الموصلات إلى ميزة تشمل حوسبة مستقبلية وطاقات أكثر تطورًا وتطبيقات طبية وتقنية ذات قيمة اقتصادية عالية، بما يعزز مكانتها خلال العقد المقبل كصانع لمعايير وتقنيات جديدة بدل أن تكون مجرد مستهلك لها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *