يعرض برنامج “مطروح للنقاش” الذي تقدمه الإعلامية فيروز مكي عبر قناة “القاهرة الإخبارية” تقريرًا بعنوان “مفاوضات روما.. هل تحقق اختراقًا جوهريًا لإنهاء التصعيد في جنوب لبنان؟”، في محاولة لتفكيك المشهد السياسي والأمني المعقّد الذي يحيط بالمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ومدى تأثير التطورات الميدانية على إمكانية تحويل الاتفاق الإطاري الموقع في يونيو الماضي إلى مسار قابل للتنفيذ والاستدامة.
تأتي أهمية الحديث عن جولة روما المرتقبة في سبتمبر المقبل في ظل تأكيد الولايات المتحدة استمرار المسار السياسي بين الطرفين، وأنها ستسعى إلى رعاية جولة جديدة من المحادثات. غير أن الواقع على الأرض في جنوب لبنان يبدو أقل انسجامًا مع تلك الرسائل الدبلوماسية، إذ وسّعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية من القرى الحدودية لتشمل مناطق في محيط مدينة النبطية، ما يعيد إشعال المخاوف من انهيار التفاهمات أو تعطيل خطوط التقدم في النقاشات.
ويرتبط التصعيد الحالي بسياق سياسي وأمني داخل إسرائيل، حيث أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الجيش يخوض عملية “بالغة الأهمية” في لبنان، في محاولة لتقديم مبررات لزيادة الضغط العسكري. وقد أشارت تل أبيب إلى أن الهدف يتمثل في محاصرة عناصر حزب الله داخل منظومات الأنفاق في مرتفعات “علي الطاهر”، وهو ما يمنح العملية غطاءً أمنيًا تستخدمه إسرائيل لتبرير استمرار الهجمات وتوسيعها.
في المقابل، يواصل لبنان الاعتراض على ما يعتبره خروقات أمنية مستمرة واستمرارًا للهجمات على الجنوب، مطالبًا بتحقيق تقدم ملموس في نقاط جوهرية مرتبطة بمناطق تجريبية جديدة، وبالانتقال من الترتيبات الجزئية إلى وقف شامل لإطلاق النار. كما يركّز لبنان على ضرورة التوقف عن عمليات هدم المنازل وتجريف الأحياء السكنية والحقول الزراعية، بوصفها ممارسات تُفاقم الأزمة الإنسانية وتزيد تعقيد أي اتفاق طويل الأمد.
ومن منظور واشنطن، لا يزال هناك توجه لإبقاء المسار قابلًا للانضاج عبر الدفع نحو توافقات عملية. وتؤكد الولايات المتحدة أن المحادثات الفنية السابقة في روما كانت بنّاءة، وأن ما يجري على طاولة النقاش قد يفتح الباب أمام حلول تدريجية تعالج جذور التوتر. لكن السؤال المحوري يبقى: هل يمكن للاتفاق الإطاري أن يصمد أمام معطيات المشهد الراهن، أم أن التحركات الميدانية ستظل عنصرًا يفرض ارتدادات على مسار المفاوضات؟
ولتعميق الصورة، يمكن النظر إلى التحديات التي قد تواجه أي انتقال من “هدنة مؤقتة” إلى “اتفاق أوسع” عبر ثلاث دوائر مترابطة:
أولًا: دائرة الالتزام المتبادل. فنجاح أي ترتيبات يتطلب ضبط إيقاع العمليات العسكرية على الأرض، بحيث لا تُفهم كل خطوة ميدانية على أنها نقض للاطار السياسي.
ثانيًا: دائرة الضمانات والإجراءات. فالتقدم في ملفات المناطق التجريبية، ووقف الهدم، وترتيبات وقف إطلاق النار، يرتبط غالبًا بآليات مراقبة وتنفيذ واضحة، وليس بمجرد تصريحات أو نوايا.
ثالثًا: دائرة التوازنات الإقليمية. إذ لا تتحرك المحادثات بمعزل عن التطورات الإقليمية، ما يجعل أي تصعيد متبادل قادرًا على خلق ضغوط تؤثر على مواقف الأطراف وتوقيت التنازلات.
وبينما ينتظر الجميع نتائج الجولة المقبلة في روما، يبقى الهدف المعلن واضحًا: إيقاف التصعيد وتقليل الخسائر وحماية المدنيين، وتحويل الاتفاق الإطاري إلى مسار يمكن البناء عليه. غير أن الفاصل بين “الهدنة المؤقتة” و“اتفاق دائم” يتمثل في مدى قدرة الطرفين، بدعم دولي، على تحويل المخرجات الفنية إلى التزامات قابلة للقياس والاستمرار، وعلى رأسها وقف شامل لإطلاق النار ووقف إجراءات الإضرار بالمساكن والأراضي الزراعية.
في المحصلة، تعكس متابعة برنامج “مطروح للنقاش” أن مفاوضات روما ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل اختبار حقيقي لمدى انسجام الكلام مع الواقع، وقدرة الاتفاق الإطاري على تجاوز مرحلة التهدئة إلى مرحلة تسوية أكثر شمولًا تحفظ استقرار جنوب لبنان وتحدّ من احتمالات عودة دوامة التصعيد.

التعليقات