التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة العاصمة، أن الخلاف الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن تطورات قطاع غزة يحمل طابعًا استراتيجيًا مرتبطًا بإدارة الملفات أكثر من كونه صدامًا مباشرًا بين الطرفين. وذهب الشيمي إلى أن المشهد يعكس في جوهره توزيعًا محسوبًا للأدوار وتكاملًا تكتيكيًا لإدارة المرحلة، بما يضمن استمرار المصالح المشتركة مع اختلاف الأولويات والسرعات الزمنية.

وأوضح الشيمي، في مداخلة عبر تطبيق «زووم» لقناة «إكسترا نيوز»، أن واشنطن وتل أبيب تتقاطعان في مجموعة من الأهداف الكبرى، بينما يتمحور الخلاف حول طريقة التنفيذ وآليات الترتيب والتوقيتات المرتبطة بإدارة مسار الحرب والتحركات الإقليمية. ووفق تحليله، فإن الولايات المتحدة تميل إلى منطق “إنهاء الملف خلال فترة زمنية أقصر” عبر توفير ضمانات سياسية وأمنية تساعد على وقف التصعيد وإظهار قدرة واشنطن على ضبط مسار المنطقة.

## توافق في الأهداف الاستراتيجية مقابل اختلاف في طرق التنفيذ
يرى أستاذ العلاقات الدولية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتفقان على تقليص القدرات العسكرية لإيران وحركة حماس، والحد من نفوذ ما يُنظر إليه بوصفه “أذرع إيران” في الإقليم. كما تتقاطع الأهداف حول إعادة ترتيب الوضع الإقليمي بما يعزز الدور المحوري لإسرائيل ضمن معادلات المنطقة.

وفي المقابل، أوضح الشيمي أن التباين لا يتعلق بتفاصيل الأهداف بقدر ما يرتبط بالترتيبات العملياتية: كيف تُدار الملفات، وما الأولويات التي تُعطى للحرب مقابل ما يتصل بالمرحلة اللاحقة، ومتى تتحول كل ورقة إلى أداة تفاوضية.

## اعتبارات داخلية في إسرائيل تفرض لغة أكثر تشددًا
أشار الشيمي إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه حسابات سياسية داخلية مرتبطة بالائتلاف الحكومي والضغوط الانتخابية. وبحسب الطرح، فإن نتنياهو يميل إلى تقديم مواقف متشددة أمام قاعدته الانتخابية والتيارات اليمينية والمتشددة، مع الحفاظ على هامش مرونة في التفاوض.

كما لفت إلى أن استمرار الحديث عن نزع سلاح حركة حماس يمثل إحدى الأوراق التي يوظفها نتنياهو لتعزيز الدعم السياسي داخليًا، خصوصًا في ظل الحاجة إلى إبقاء قاعدته مطمئنة بأن حكومته قادرة على تحقيق “مكاسب” يمكن تسويقها على أنها إنجازات.

## ازدواجية الخطاب كأداة لتفادي الصدام المباشر
اعتبر الشيمي أن التباين بين التصريحات الأمريكية والإسرائيلية يمكن فهمه ضمن إطار ازدواجية الخطاب السياسي. فالتصريحات العلنية المتشددة تُستخدم للحفاظ على تماسك الائتلاف ورفع كلفة التنازل سياسيًا أمام الداخل الإسرائيلي، بينما لا يعني ذلك بالضرورة رفضًا كاملًا لمسارات تفاوضية.

وأوضح أن هذا الأسلوب يتيح لنتنياهو تجنب الصدام المباشر مع واشنطن، وفي الوقت نفسه ضمان استمرار الدعم السياسي الأمريكي. ومن منظور إدارة الأزمات، قد يمنح هذا النهج إسرائيل أوراقًا تفاوضية “على الأرض” دون الانزلاق إلى مواجهة علنية تُضعف الموقف الداعم من الجانب الأمريكي.

## ملف الانسحاب الإسرائيلي: تفاوض متدرج لا حسم أحادي
أكد الشيمي أن الحديث عن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة يرتبط بمسارات تفاوضية معقدة، ولا يُقرأ على أنه قرار أحادي. فالتوجه الإسرائيلي – وفق التحليل – يتمحور حول تنفيذ الانسحاب تدريجيًا ووفق خطوط محددة، بما يضمن إبقاء عناصر ضغط مرتبطة بالملف الأمني وتقييم الاحتياجات العملياتية.

وفي هذه المرحلة، يصبح توقيت الانسحاب وآلياته والضمانات المطلوبة من أبرز محاور التفاوض، نظرًا لتعدد وجهات النظر حول من يملك السيطرة الفعلية على الترتيبات بعد الانسحاب، وكيف يتم ضمان منع تكرار الهجمات، وطرق إدارة المعابر والحركة داخل القطاع.

## الخلاف لا يساوي انهيار التحالف
ختم الشيمي بالتأكيد على أن التصريحات المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب، رغم ما تتضمنه من تباينات، لا تعني بالضرورة انهيار التحالف. فاختلاف التفاصيل أو التوقيتات قد يعبر عن اختلاف في إدارة المرحلة وأولويات كل طرف السياسية والأمنية، وليس عن تلاشي المصالح الاستراتيجية المشتركة.

وزاد الشيمي توضيحًا بأن وجود مساحة خلاف في بعض البنود لا ينفي حقيقة أن الطرفين يشتركان في تصور عام حول أهداف كبرى مرتبطة بالأمن الإقليمي واحتواء نفوذ إيران وتقييد قدرة الفصائل المسلحة على فرض وقائع على الأرض بما يقوض الاستقرار ويؤثر في ميزان القوى.

وبناءً على ذلك، فإن قراءة المشهد بوصفه “تعارضًا كاملًا” قد تكون مضللة، بينما تشير المؤشرات إلى أن الطرفين يديران خلافاتهما داخل إطار مصالح مشتركة، مع ترك تفاصيل التنفيذ والسرعة الزمنية رهينة بحسابات داخلية وضغوط دولية وإقليمية متغيرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *