تخطو أوروبا خطوة عملية نحو تعزيز استقلالها في مجال الاتصالات الفضائية الآمنة، بعدما انتقل مشروع IRIS² من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ ضمن إطار استراتيجي يهدف إلى بناء شبكة اتصالات أوروبية موثوقة تُستخدم عند الأزمات والحروب والكوارث الطبيعية. ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه أهمية شبكات الأقمار الصناعية، خصوصاً بعد أن أثبتت قدرتها على الاستمرار في توفير الاتصال عندما تتعطل شبكات الهاتف المحمول والإنترنت والبنية التحتية الأرضية بسبب الأعطال أو الأضرار.
في أحدث مراحل التطوير، وقّعت المفوضية الأوروبية وائتلاف SpaceRISE اتفاقية تنفيذية جديدة لبرنامج IRIS²، من شأنها إضافة 66 قمراً صناعياً إلى المشروع، ليصل العدد الإجمالي المخطط له إلى 348 قمراً. وبهذا ترتفع جاهزية البرنامج ليكون منظومة اتصالات فضائية أكثر شمولاً واستمرارية، قادرة على دعم احتياجات الجهات الحكومية والقطاعات الحساسة في مختلف السيناريوهات الطارئة.
وتشير الخطة إلى أن الكوكبة ستتضمن 330 قمراً في المدار الأرضي المنخفض، إضافة إلى 18 قمراً في المدار الأرضي المتوسط. أما موعد بدء إطلاق الأقمار الأولى ضمن المشروع، فيتوقع أن يكون في عام 2029، ما يعني أن المشروع بدأ فعلياً مساره لبناء البنية التحتية التقنية والصناعية اللازمة، وليس مجرد دراسة أو نية مستقبلية.
لماذا تحتاج أوروبا إلى شبكة فضائية مستقلة؟
يتميز IRIS² بأن هدفه لا يقتصر على تقديم إنترنت فضائي للاستخدام الاستهلاكي، بل يتمحور حول دعم احتياجات الحكومات وقطاعات الدفاع والأمن وخدمات الطوارئ، بالإضافة إلى حماية الاتصالات الخاصة بالبنية التحتية الحيوية. وتبرز أهمية هذا النوع من الشبكات عندما تتعرض الاتصالات التقليدية للانقطاع أو التدمير، مثل تضرر الأبراج، أو تعطّل مراكز البيانات، أو قطع خطوط أرضية بسبب النزاعات أو الكوارث.
كما كشف الواقع الميداني عن قيمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية في الحفاظ على التواصل عند انهيار جزء من البنية التحتية. فقد لعبت شبكات الأقمار الصناعية دوراً في استمرار الاتصالات في مناطق تضررت بنيتها بسبب الحرب في أوكرانيا، وظهرت كذلك أهميتها أثناء الكوارث الطبيعية التي تؤدي إلى انقطاع خدمات الاتصالات الأرضية. في هذه الحالات، لا تكون القدرة على “الاستمرار” مجرد ميزة تقنية، بل شرطاً لاتخاذ القرار السريع وإدارة العمليات وتنسيق الاستجابة.
أوروبا تسعى لتقليل الاعتماد على مزودات خارجية
رغم أن خدمات الأقمار الصناعية مثل ستارلينك ساهمت بشكل كبير في توفير الاتصال عالمياً، إلا أن الخدمة مملوكة لشركة أمريكية، وهو ما يُعد أحد العوامل التي تدفع الاتحاد الأوروبي نحو تطوير منظومة أوروبية خاصة. ومن خلال IRIS²، تسعى أوروبا إلى امتلاك مستوى أعلى من التحكم في الاتصالات ذات الطبيعة الحساسة، خصوصاً ما يرتبط بالحكومات والدفاع والأمن والطوارئ.
وتوضح المعطيات أن IRIS² لا يُقصد به بالضرورة منافسة مباشرة لخدمات مزودات الأقمار الصناعية للمستخدمين العاديين، بل يختلف من حيث الهدف والتركيز. إذ يعطي المشروع الأولوية للاتصال الحكومي والأمني والمهام الحيوية، بما يضمن جاهزية أفضل للجهات المعنية عند الحاجة، مع تقليل المخاطر المرتبطة بتبعية خارجية.
زيادة كبيرة في قدرات الاتصالات الآمنة
يشير برنامج IRIS² إلى تعزيز ملموس في قدرات الاتصالات الآمنة لدى أوروبا. وبحسب المفوضية الأوروبية، فإن توسع البنية الموسعة يمكن أن يرفع القدرة الحكومية الآمنة للاتصالات بنسبة 60% داخل الاتحاد الأوروبي، وبنسبة 54% على مستوى العالم. كما يُفترض أن ينعكس ذلك على سرعة الاستجابة وإتاحة الاتصال عند وقوع أزمات، خصوصاً أن طبيعة الاتصالات الفضائية تسمح بتجاوز كثير من نقاط الضعف المرتبطة بالبنية الأرضية.
ومن جانب الأدوار التنفيذية، تتولى وكالة الفضاء الأوروبية جزءاً مهماً من أعمال التطوير التقني والتحقق من الأنظمة، بينما يعمل أعضاء ائتلاف SpaceRISE، ومن بينهم جهات مثل إس إي إس وإيوتلسات وهيسباسات، مع شركات تصنيع أوروبية لتطوير الأقمار الصناعية والبنية التحتية الأرضية اللازمة لدعم الشبكة.
البداية الفعلية لمنظومة اتصالات فضائية أوروبية
رغم أن المشروع لن يصبح جاهزاً للعمل بكامل طاقته قبل سنوات، فإن انتقال IRIS² إلى مرحلة التنفيذ يُعد تطوراً محورياً في مسار استراتيجية أوروبا للاتصالات والأمن الرقمي. فبدلاً من الاعتماد الكامل على شبكات فضائية مملوكة لمشغلين خارج الاتحاد الأوروبي، تسير أوروبا لبناء منظومة خاصة يمكن استخدامها لتأمين الاتصالات الحكومية والعسكرية وخدمات الطوارئ وحماية الاتصالات المرتبطة بالبنية التحتية الحيوية.
ومع بدء إطلاق الأقمار الأولى اعتباراً من عام 2029، يُتوقع أن يتحول IRIS² إلى أحد أبرز المشاريع الأوروبية التي تعزز الاستقلال في مجال الاتصالات الفضائية، بحيث لا تبقى الأقمار الصناعية مجرد وسيلة اتصال، بل تصبح جزءاً أساسياً من منظومة الأمن والاستجابة للأزمات، بما يرفع من قدرة أوروبا على مواجهة التحديات المتسارعة في عالم يعتمد بشكل متزايد على تدفقات البيانات والاتصالات المتواصلة.

التعليقات