قد يبدو من غير المعقول أن “الإنترنت” التي نعتمد عليها يوميًا تستند إلى كابلات صغيرة نسبيًا، تمتد عشرات عشرات الآلاف من الكيلومترات تحت سطح البحر. لكن الحقيقة أن كابلات الألياف الضوئية البحرية تُعد العمود الفقري للاتصالات بين الدول والقارات، إذ تنقل الجزء الأكبر من بيانات الإنترنت العالمية. ومع أنها مصممة لتتحمل الظروف القاسية في قاع المحيط—من ضغط المياه والعواصف إلى الكوارث الطبيعية—فهذا لا يعني أنها محصّنة بالكامل. السؤال الأهم ليس كيف تتجنب الانقطاع نهائيًا، بل كيف تقلل احتمالاته، وماذا يحدث عندما يقع عطل بالفعل؟
كابلات الإنترنت البحرية تنقطع… لكن بدرجات متفاوتة
الواقع أن كابلات الإنترنت البحرية تتعرض لأعطال بشكل متكرر، غير أن نسبة الانقطاع لا تكون عادةً مرتفعة بما يكفي لإيقاف الإنترنت على نطاق واسع. تختلف الأسباب بين أعطال عرضية بسبب البيئة البحرية، وبين أضرار ناجمة عن أنشطة بشرية. من أبرز المخاطر التي تتسبب بتلف الكابلات أو قطعها: مراسي السفن، عمليات الصيد التي تستخدم شباكًا أو معدات قد تلامس القاع، إلى جانب أعمال التخريب المتعمد أو التلاعب غير المقصود بالبنية التحتية. كما يمكن أن تسهم الزلازل والظواهر البحرية الشديدة في إزاحة الكابلات أو تعريضها للإجهاد.
تُروى أحيانًا قصص عن تأثير أسماك القرش على الكابلات، لكن هذه الحوادث—إن حصلت—تبقى هامشية جدًا ضمن الأسباب الإجمالية للأعطال، بينما تظل المخاطر المرتبطة بالعمليات البحرية البشرية هي الأكثر تأثيرًا.
كيف تمنح الهندسة الكابلات حماية إضافية في قاع البحر؟
تصميم كابل الإنترنت البحري ليس “سلكًا بسيطًا” يُلقى في الماء. بل هو نظام متعدد الطبقات، صُمم ليقاوم الضغط والاحتكاك والصدمات المحتملة. عادةً ما يمر الكابل عبر طبقات عازلة وواقية، مع تعزيزات ميكانيكية تساعده على تحمل شدّ المياه والاهتزازات، فضلًا عن غلاف خارجي مقاوم للتآكل. كذلك يتم اختيار المسارات بعناية: تُخطط نقاط المدّ لتفادي مناطق النشاط الزلزالي قدر الإمكان، وتجنب ممرات السفن الأكثر ازدحامًا، وتُؤخذ في الحسبان المناطق المعروفة بأعمال الصيد.
وفي المناطق الضحلة القريبة من السواحل، لا يكفي أحيانًا الاعتماد على الحماية الخارجية وحدها. لذلك يتم دفن الكابلات تحت قاع البحر في خنادق مُعدة مسبقًا أو باستخدام تقنيات حفر موجهة، بهدف توفير “طبقة أمان” إضافية تقلل فرص ملامسة الكابل للمعدات البحرية أو تعرضه للشدّ المفاجئ.
لماذا يحدث الانقطاع رغم كل الاحتياطات؟
حتى مع أفضل التصاميم ومسارات المدّ المدروسة، تظل الكابلات معرضة لعوامل لا يمكن إلغاؤها بالكامل. تشير تقديرات الصناعة إلى أن عشرات الكابلات—وقد تصل إلى حدود 100 إلى 150 كابلًا سنويًا—تتعرض لانقطاعات أو أعطال تحتاج إلى تدخل إصلاحي. الجزء الأكبر من هذه الحوادث يرتبط مباشرة بأنشطة بشرية: مراسي، شبكات صيد، أو أعمال بحرية قد تتجاوز أثرها حدود التخطيط المسبق لمسارات الكابلات.
تزداد حساسية الأمر عندما تتزامن عدة عوامل في منطقة واحدة، أو عندما تتحول بعض الحوادث إلى موضوع أمني. على سبيل المثال، شهدت بعض المناطق—مثل بحر البلطيق—تكرارًا في انقطاعات كابلات خلال 2023، ما رفع مستوى الاهتمام بفرضيات التخريب، وأكد أن البنية التحتية الرقمية أصبحت جزءًا من المشهد الأمني والسياسي.
إصلاح الكابل البحري: عملية دقيقة ومكلفة
عند حدوث قطع، لا يبدأ الحل فورًا بمجرد “إصلاح سلك”. أولًا تحتاج فرق متخصصة إلى تحديد موقع العطل بدقة، ثم إرسال سفن إصلاح مجهزة بأدوات خاصة لالتقاط الكابل من قاع البحر ورفع الجزء المتضرر. بعد ذلك يتم إجراء الإصلاحات—غالبًا عبر قطع الجزء التالف واستبداله أو إعادة ربط المقاطع باستخدام وصلات مخصصة—ثم يعاد إنزال الكابل في مكانه أو تعديل وضعه في المسار.
تتضاعف الصعوبة عندما يقع العطل في مناطق بعيدة عن السواحل، أو في ظروف بحرية صعبة تجعل عمليات الإبحار والانتشال وإجراء الوصلات أكثر تعقيدًا. لذلك تصبح السرعة في التشخيص والمراقبة عنصرًا مهمًا لتقليل مدة التعطل.
كيف تحاول الدول تقليل الأثر وزيادة القدرة على الاستجابة؟
لم يعد التحدي مقتصرًا على “مد كابل قوي”، بل أصبح أيضًا حول الرصد المبكر والاستمرارية. لذلك تتجه الجهات المعنية إلى تطوير أنظمة مراقبة للكشف عن أي اهتزازات أو نشاط غير معتاد قرب مسارات الكابلات. من التقنيات المقترحة أو الجاري اختبارها استخدام الاستشعار الصوتي (Hydroacoustic/Acoustic Sensing) لمتابعة المؤشرات المرتبطة بالأنشطة البحرية التي قد تلامس الكابل أو تسبّب أضرارًا، ما يساعد على تحسين فرص التدخل السريع قبل تفاقم العطل.
كما تعتمد الحماية على “نظام متكامل”: مسارات أكثر أمانًا، دفن الكابلات في المناطق ذات الخطورة، وتعزيز طبقات الحماية في البيئات القاسية. والأهم من ذلك وجود بدائل ضمن شبكة الاتصالات؛ فليس كل بلد يعتمد على كابل واحد فقط. عادةً ما تتضمن البنية التحتية مسارات أو كابلات إضافية، بحيث لا يؤدي تعطل خط واحد إلى انقطاع شامل، بل قد يقتصر الأثر على بطء أو تحويل حركة البيانات إلى مسار آخر.
الخلاصة
كابلات الإنترنت البحرية لا تتجنب الانقطاع تمامًا، لكنها تقلل احتمالاته عبر تصميم هندسي متعدد الطبقات، ومسارات مدروسة، ودفن في المناطق الضحلة، مع استراتيجيات للاستمرارية عبر وجود شبكات بديلة. ومع استمرار تزايد أهمية الاتصالات عالميًا، تتجه الجهود أيضًا إلى تحسين المراقبة والتشخيص، بحيث يصبح إصلاح الأعطال أسرع وأقل تأثيرًا على الاتصالات بين الدول.

التعليقات