شارك الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتمويل أجندة 2030، ورئيس المجلس الاستشاري لأفريقيا التابع للتحالف المالي العالمي من أجل صافي انبعاثات صفري (GFANZ)، في القمة السنوية الرابعة للقيادات النسائية الأفريقية التي انعقدت في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا خلال الفترة من 6 إلى 8 أغسطس 2026، والتي نظمتها مجموعة DLO للطاقة والموارد برئاسة السيدة ليندا مابينا-أولاغونجو.
خلال كلمته الافتتاحية المعنونة «تمويل تحول الطاقة في أفريقيا: تعبئة رأس المال من أجل النمو»، شدد محيي الدين على أن المشكلة الجوهرية في أفريقيا لا تتمثل في غياب المشروعات أو ضعف الجدوى الاقتصادية، بل في ارتفاع تكلفة رأس المال نتيجة المبالغة في تسعير المخاطر. وأوضح أن معالجة هذه الفجوة في «تسعير المخاطر» تمثل المدخل الأكثر فاعلية لتحويل الخطط إلى استثمارات حقيقية، داعياً إلى إصلاح الهياكل المالية العالمية والأفريقية، والتوسع في التمويل المختلط والضمانات، وتعبئة المستثمرين المؤسسيين، وتعزيز المنصات الاستثمارية القطرية.
وربط محيي الدين بين حجم التحدي وإمكانات القارة؛ فذكر أن أفريقيا تضم قرابة 20% من سكان العالم، لكنها لا تستحوذ إلا على نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقعات لنمو اقتصادي يقارب 4% في عام 2026. وفي المقابل، تمتلك القارة ما يقرب من 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية عالمياً، إضافة إلى احتياطيات وفيرة من المعادن الحيوية، وميزة ديموغرافية تتمثل في متوسط عمر أصغر، كما يفتح التكامل الاقتصادي عبر منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية المجال أمام توسع الطلب على الطاقة والخدمات وسلاسل القيمة.
وأشار إلى أن أفريقيا لا تحصل إلا على حوالي 3.3% من الاستثمارات العالمية الموجهة لقطاع الطاقة، رغم أنها موطن لنحو خُمس البشرية. كما ذكر أن فجوة الوصول ما تزال واسعة، حيث يفتقر نحو 600 مليون شخص إلى الكهرباء، ويعاني أكثر من مليار آخرين من انعدام وسائل الطهي النظيف. وأكد أن استمرار هذه الأوضاع يعكس نقص الاستثمار وارتفاع تكلفة التمويل أكثر من كونه نقصاً في الموارد أو الفرص.
وانتقل محيي الدين من منطق «فجوة التمويل» إلى ضرورة التركيز على «فجوة التسعير». ولفت إلى أن مشروعات الطاقة في أفريقيا قد تواجه تكاليف تمويل أعلى بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بالمشروعات المماثلة في الاقتصادات المتقدمة، بسبب المبالغة في تقدير مخاطر الدول. وفي هذا السياق، أكد أن تصحيح تسعير المخاطر يمكن أن يفتح الباب أمام استثمارات خاصة واسعة النطاق، دون الحاجة إلى زيادات مماثلة في الموارد العامة أو الاعتماد على التمويل الميسر فقط.
ولأن تمويل تحول الطاقة يرتبط مباشرة بالتنمية، أوضح محيي الدين أن الكهرباء ليست مجرد بنية تحتية، بل ركيزة لدعم التصنيع، وتمكين الاقتصاد الرقمي، وتحسين الإنتاج الزراعي، وتعزيز الرعاية الصحية والتعليم. وأضاف أن هذا المسار يخلق فرصاً اقتصادية لملايين الشباب، خصوصاً إذا رُبطت الاستثمارات ببرامج سلاسل القيمة المحلية وبناء المهارات.
وتطرق إلى «مهمة 300» التي يقودها البنك الأفريقي للتنمية بالتعاون مع البنك الدولي لتوصيل الكهرباء إلى 300 مليون أفريقي، بوصفها مبادرة قادرة على توسيع الفرص الاقتصادية وتعزيز التصنيع وخلق مسارات جديدة للاستثمار. كما شدد على أن تصميم المشاريع يجب أن يتضمن أهدافاً ملموسة لدعم مشاركة النساء في الأعمال والمشروعات، بما في ذلك تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلاسل قيمة الطاقة.
كما دعا محيي الدين إلى تطوير الأدوات والهيكل المالي، بما يشمل تعزيز قدرة بنوك التنمية متعددة الأطراف على تعبئة الاستثمار الخاص عبر الضمانات والتمويل المختلط والتمويل بالعملات المحلية، بالإضافة إلى أدوات تقلل مخاطر تقلبات أسعار الصرف. وأكد أيضاً أهمية معالجة مواطن الضعف المرتبطة بالديون السيادية، لأنها تحد من مساحة الحركة أمام تمويل البنية التحتية وتحول دون استقرار التدفقات المالية المطلوبة للمشروعات الطويلة الأجل.
ومن النقاط التي شدد عليها ضرورة بناء بنية مالية أفريقية أكثر تكاملاً، قادرة على توجيه المدخرات المحلية نحو الاستثمارات طويلة الأجل في القارة، وتعزيز دور مؤسسات التمويل والتنمية والأسواق المالية الأفريقية. وأشار إلى أن نجاح التمويل لا يقاس فقط بالناتج أو الدخل، بل ينبغي مواءمة أنظمة القياس والحوكمة مع أهداف التنمية المستدامة، عبر مؤشرات تشمل القدرة على الصمود، ورأس المال البشري والطبيعي، والشمول، والتقدم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي إطار التحول من الحوار إلى التنفيذ، لفت محيي الدين إلى أهمية الشراكة بين GFANZ أفريقيا وبلومبرج والبنك الأفريقي للتنمية عبر مبادرة تعبئة رأس المال الخاص ومختبر ابتكار القطاع الخاص، مؤكداً أن توظيف التمويل العام لتقليل المخاطر وجذب استثمارات خاصة أكبر يمكن أن يسرع تنفيذ المشاريع.
واختتم محيي الدين رسالته بتأكيد أن أفريقيا لا تفتقر إلى الأفكار أو الموارد أو رواد الأعمال أو القيادات النسائية أو الطموح، وإنما تحتاج إلى نظام مالي يعكس فرصها ويقلل المبالغة في تسعير المخاطر. وشدد على أن أفريقيا تمثل واحدة من أكبر فرص الاستثمار العالمية، وأن مسؤولية المجتمع الدولي تتمثل في جعل التمويل قوة دافعة لتحول الطاقة والتنمية، بما يساهم في تمكين الصناعات، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة على الصمود، ودعم مسار التنمية في القارة.

التعليقات