التخطي إلى المحتوى

يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عاطف عبدالغني أن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط يتجاوز كونه تصعيدًا عابرًا، بل يتجه نحو مرحلة مفصلية تُعاد فيها هندسة موازين القوى وصياغة ترتيبات سياسية وأمنية مختلفة. ويؤكد عبدالغني أن «رسم الخرائط» لا يرتبط بالضرورة بتعديل الحدود الجغرافية فقط، وإنما يمتد إلى إعادة بناء التحالفات، وتبديل قواعد النفوذ، وإعادة تعريف مسارات الاشتباك بين الأطراف الإقليمية والدولية.

وفي حديثه ضمن برنامج «خط أحمر» الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم، يشير عبدالغني إلى أن ملامح التحول بدأت بالفعل بالظهور عبر ملفات إقليمية متعددة، لعل أبرزها الملف السوري. فبحسب الطرح، شهدت الأرض حراكًا وتغيرات ميدانية انعكست على شكل السيطرة والنفوذ، بالتوازي مع محاولات بعض القوى—ومن بينها إسرائيل—فرض واقع جديد في سوريا ولبنان وقطاع غزة من خلال توسيع الانتشار العسكري، وتثبيت السيطرة الميدانية، بما يهدف إلى تغيير معادلات التفاوض وصناعة الوقائع الجديدة.

لكن عبدالغني يلفت إلى أن هذه المحاولات تصطدم بواقع مركب: مقاومة إقليمية تتزايد حدتها، إلى جانب حضور داخلي في بعض الدول يعقّد خيارات السيطرة المباشرة، ما يجعل «فرض الأمر الواقع» عملية أقل سهولة مما تتوقعه بعض الأطراف. ويُقرأ ذلك، في تقديره، كإشارة إلى أن المعادلات المتحركة في المنطقة لا تتوقف عند جبهة واحدة أو طرف واحد، بل تتفاعل ضمن شبكة من مصالح متداخلة.

ويذهب المحلل السياسي إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة رسم خريطة المنطقة عبر آليات أوسع من الجانب العسكري، تشمل تشكيل تحالفات إقليمية جديدة، ووضع قواعد اشتباك مختلفة، وربما إعادة ترتيب شبكات التأثير السياسي والاقتصادي. ومن ضمن الأبعاد التي يرجح أن تتعاظم كذلك فتح ممرات اقتصادية واستراتيجية تساعد في ترسيخ موازين القوى الجديدة، عبر دعم خطوط التجارة والنقل والطاقة، بما يعني أن الصراع لا يُدار فقط بالسلاح بل أيضًا عبر الاقتصاد واللوجستيات.

وتُعد الحرب المرتبطة بصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران—بحسب ما يورده عبدالغني—بوابة رئيسية لفهم طبيعة التحولات المقبلة، لأنها تدفع عدة أطراف إلى مراجعة حساباتها الأمنية والسياسية، وتؤثر في شكل التحالفات وتوازنات الردع. كما يشير إلى أن التنافس داخل المنطقة يتقاطع مع منافسة أوسع بين معسكرين دوليين، حيث لا يمكن اختزال الصورة في مواجهة إقليمية ضيقة.

وفي هذا الإطار، يبرز دور القوى الدولية التي تمتلك مصالح استراتيجية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها روسيا والصين. ويؤكد عبدالغني أن الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي سيترك بصمته على شكل التوازنات المقبلة، سواء على مستوى النفوذ السياسي أو مسارات الاقتصاد أو حسابات الأمن الإقليمي. وقد ينعكس ذلك في بعض المناطق على تغييرات جغرافية متفاوتة—ليس بالضرورة تغييرًا مباشرًا للخرائط الرسمية، بل تبدل مناطق السيطرة والنفوذ وطرق الوصول والتأثير.

في المحصلة، يعرض عبدالغني رؤية تعتبر أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل طويلة، تتبدل خلالها أدوات القوى: من الجغرافيا إلى الاقتصاد، ومن التحالفات إلى قواعد الاشتباك. وتبعًا لذلك، فإن أي محاولة لتثبيت نفوذ سريع قد تواجه تصاعدًا في المقاومة وتعقيدًا في المشهد، ما يجعل الخريطة الجديدة للمنطقة نتاج صراع مصالح وتحالفات أكثر من كونها قرارًا لحظيًا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *