قال الدكتور عمرو سليمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان، إن تسارع ارتفاع الأسعار ثم بطء تراجعها ليس سلوكًا مصريًا محضًا، بل ظاهرة اقتصادية عالمية تُعرف في الاقتصاد بـ«الصواريخ والريش». وتعني العبارة أن الأسعار تقفز بسرعة عند وقوع صدمات مثل الأزمات أو ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، لكنها لا تهبط بالطريقة نفسها وبالسرعة نفسها، بل تتراجع تدريجيًا، وقد لا تعود إلى مستوياتها السابقة كما لو أنها «نزلت على خط مستقيم».
وأوضح سليمان، خلال ظهوره في برنامج «مساء DMC»، أن كثيرًا من المستهلكين يلاحظون أن الزيادة تظهر فجأة تقريبًا، بينما التخفيضات تكون أبطأ وتتأخر لأسباب ترتبط بنمط عمل الشركات والتسعير ومرونة التكاليف والحوكمة داخل الأسواق.
لماذا يرفع المنتجون الأسعار بسرعة؟
يرجع أستاذ الاقتصاد سرعة الارتفاع إلى حرص المنتجين على حماية قدرتهم الشرائية للمستلزمات وتكاليف التشغيل، خصوصًا عند تذبذب الأسعار في سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الطاقة والمواد الخام والغذاء. وفي أوقات الصدمات، يسعى المنتج أو المستورد إلى تحديث تسعيرته بسرعة لضمان استمرارية الإنتاج أو التوريد، وتجنب خسائر ناتجة عن بيع المخزون بأسعار أصبحت أقل من تكلفته بعد الزيادة.
كما أن المنتج قد يخشى—عمليًا—أن يفقد القدرة على تعويض رأس المال العامل أو التمويل اللازم لتجديد المخزون إن استمر بالأسعار القديمة لفترة أطول، ما يدفعه لتحريك الأسعار مبكرًا حتى قبل استقرار السوق.
الحلقات الوسيطة تحافظ على أرباحها
وأشار سليمان إلى أن الحلقات الوسيطة بين المنتج أو المستورد وبين التاجر النهائي غالبًا ما تحاول المحافظة على هوامش أرباحها خلال فترات التضخم. ونتيجة لذلك قد تقوم هذه الجهات برفع الأسعار أو الحفاظ عليها لفترة أطول، خصوصًا عندما تشعر أن انخفاض الأسعار العالمية أو تحسن التكاليف لن ينعكس فورًا على الأسعار النهائية بسبب طبيعة العقود أو أنماط التخزين والبيع.
وفي كثير من الحالات، لا تقتصر الزيادة على تكلفة المنتج فقط، بل تنتقل عبر سلسلة التوزيع، فيرتفع السعر النهائي تدريجيًا نتيجة تراكم زيادات متفرقة عبر الوسطاء.
غياب الشفافية يطيل أمد اختلاف الأسعار
ومن العوامل المهمة التي لفت إليها سليمان ضعف إتاحة المعلومات وغياب شفافية الأسعار في بعض الأسواق، خاصة في الدول النامية. وحين لا تتوفر بيانات واضحة عن التسعير، تظهر فروق بين أسعار السلعة نفسها بين المحافظات والأحياء والمناطق، نتيجة اختلاف القدرة التفاوضية، وتكاليف النقل، وتفاوت الموردين، وغياب آليات المقارنة الفعّالة.
وأوضح أن توفر معلومات تسعيرية واضحة يعزز كفاءة السوق ويحد من فرص التسعير العشوائي، بينما غيابها قد يؤدي إلى تباطؤ تعديل الأسعار حتى عندما تتحسن الظروف.
احتكار القلة وتأخر خفض الأسعار
ذكر أستاذ الاقتصاد أن بعض السلع والخدمات تعتمد على عدد محدود من المستوردين أو المنتجين، وهو ما يُعرف اقتصاديًا بـ«احتكار القلة». وفي هذا النوع من الأسواق، قد لا تتصرف الشركات بنفس السرعة عند تغير الظروف من جانب واحد: فقد ترفع الأسعار بسرعة عندما تزيد الأسعار عالميًا، لكنها تؤخر خفضها عند التراجع.
وتظهر مبررات شائعة في هذه الحالة مثل وجود مخزون تم شراؤه بأسعار مرتفعة أو توقع استمرار ارتفاع التكاليف مستقبلًا. ورغم أن هذا قد يكون صحيحًا جزئيًا في حالات معينة، فإنه قد يساهم كذلك في تمدد فترة ارتفاع الأسعار.
الأجور تجعل الأسعار «أكثر لزوجة»
كما أكد سليمان أن الأجور والمرتبات تُعد جزءًا من تكاليف الإنتاج. وعندما ترتفع لمواجهة التضخم، فإنها لا تنخفض بسهولة لاحقًا بسبب تعقيدات ترتبط بعقود العمل، ومتطلبات إعادة التوظيف، والالتزام بمعايير تنظيمية أو تفاوضية. لذلك قد تظل تكلفة العمل مرتفعة فترة أطول من المتوقع، ما يجعل الأسعار أكثر «لزوجة»؛ أي أنها ترتفع بسرعة خلال الأزمات، لكنها تحتاج وقتًا أطول حتى تتراجع.
ماذا يمكن أن يحدث لتسعير الأسواق بعد الصدمات؟ (معلومات إضافية)
تزداد حساسية الأسعار عادة في فترات الصدمات بسبب تفاعل عدة عناصر معًا، منها: تقلب أسعار السلع الأساسية، ارتفاع تكلفة الشحن، تغير أسعار الصرف لدى الاقتصادات المستورِدة، واستجابة البنوك لشروط التمويل. إضافة إلى ذلك، قد يتأثر سلوك المستهلكين أنفسهم؛ فحين تزداد توقعات التضخم، يميل بعض المشترين لتسريع الاستهلاك أو الشراء، ما يرفع الطلب مؤقتًا ويساعد على استمرار ارتفاع الأسعار حتى لو بدأت التكاليف في التحسن.
كما أن اختلاف نمط التعاقد—مثل العقود طويلة الأجل أو تسعير الفواتير بالمستقبل—قد يجعل تخفيض الأسعار غير انعكاسي فورًا، لأن الالتزامات السابقة تستمر في تحديد السعر لفترة.
الخلاصة
يرى الدكتور عمرو سليمان أن ظاهرة «الصواريخ والريش» تنشأ من تفاعل عوامل اقتصادية وتشغيلية: سرعة انتقال التكلفة عبر المنتجين، سعي الحلقات الوسيطة للحفاظ على أرباحها، ضعف شفافية الأسعار، احتكار القلة الذي يبطئ خفض التسعير، إضافة إلى «لزوجة» الأجور التي تجعل الانخفاض أصعب من الارتفاع. وبذلك يصبح تراجع الأسعار أبطأ من صعودها، وتستمر الزيادات لفترة أطول حتى بعد بدء تحسن الظروف.

التعليقات