التخطي إلى المحتوى

تتجه القراءة السياسية الحالية للصراع بين الولايات المتحدة وإيران نحو اعتبارها «مرحلة ردع متبادل»، يمكن توصيفها أيضًا بأنها ردع سياسي وعسكري متداخل يهدف—وفق هذا الطرح—إلى دفع الطرفين إلى الجلوس على طاولة المفاوضات بدل الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وفي هذا السياق، أكد اللواء أركان حرب دكتور إبراهيم عثمان، الخبير الاستراتيجي ونائب أمين عام مجلس الدفاع الوطني السابق، أن المرحلة الراهنة تحمل سمات جولة جديدة من الضغط المتبادل، حيث يُستخدم كل طرف أدواته بحسب أهدافه وتوقيته.

ويشير التحليل إلى أن أدوات الردع لا تقتصر على القوة العسكرية وحدها، بل تشمل منظومة متكاملة تبدأ بالتصريحات الإعلامية وتصعيد الخطاب السياسي، وتمتد إلى الضغوط الاقتصادية وما يرتبط بها من قيود وحوافز تؤثر في حسابات الأطراف. كما يتزامن ذلك مع رسائل التهديد والقدرة القتالية، سواء عبر التلويح بالخيار العسكري أو عبر تنفيذ ضربات قوية تُفهم باعتبارها اختبارًا لحجم الاستجابة وتقدير كلفة التصعيد.

وعند ربط هذه القراءة بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول أن الضربات المقبلة ستكون أشد من أي ضربات شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، يرى الخبير الاستراتيجي أن هذه الإشارة لا تُقرأ فقط بوصفها تهديدًا لفظيًا، بل تُفهم أيضًا كرسالة ذات دلالة تتصل بإمكانية استخدام قدرات ذات أثر واسع. وتظهر هنا أهمية اختيار المرجع التاريخي؛ إذ تستحضر الحرب العالمية الثانية نهاياتها المعروفة باستخدام السلاح النووي ضد اليابان في هيروشيما وناجازاكي، وهو ما يمنح التهديد بعدًا نفسيًا واستراتيجيًا يتجاوز المستوى التكتيكي.

ومن منظور تاريخي-استراتيجي، يوضح السياق أن الولايات المتحدة كانت في مواجهة مع اليابان بسبب رفض الأخيرة الاستسلام، ثم انتهى الأمر باستخدام السلاح النووي لإجبارها على قبول شروط الاستسلام. وقد تم—وفق هذا التفسير—اختيار مدن بعينها لإحداث صدمة استراتيجية تُغيّر حسابات القيادة اليابانية وتدفعها لاتخاذ قرار سياسي سريع. وتبعًا لهذا المنطق، فإن التذكير بهذه المحطة في الخطاب الأمريكي يُفهم على أنه محاولة لخلق «رسالة ردع» ترفع كلفة الاستمرار في التصعيد لدى الطرف الآخر.

كما يلفت التحليل إلى أن استمرار هذا النمط من الردع قد يستغرق وقتًا أطول من المتوقع. فمهما كانت هناك نية للانتقال إلى المفاوضات، فإن الأهداف الأمريكية المعلنة—بحسب القراءة نفسها—تبدو صعبة التحقيق خلال أسابيع أو أشهر، وقد تتطلب فترة أطول، سواء على مستوى تجهيز المتطلبات السياسية والعسكرية أو من خلال خلق واقع جديد على الأرض يساعد على صياغة تسويات.

وتستبعد هذه الرؤية أن تكون المفاوضات مسارًا سريعًا حتميًا، إذ قد تتداخل معها جولات أخرى من الضربات المتبادلة أو استمرارية الضغط لتحقيق مكاسب تفاوضية. وفي الوقت نفسه، يُفهم أن الردع المتبادل ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لإجبار الطرفين على إعادة ترتيب الأولويات، مع توفير حوافز—ولو ضمنية—للانتقال من مربع التصعيد إلى مربع التفاوض.

ولتعزيز الفهم حول طبيعة المرحلة الحالية، يمكن القول إن «الردع السياسي» يرتبط بتأثيرات داخلية وخارجية؛ إذ تُستخدم البيانات الرسمية والمؤشرات الإعلامية لتأطير مواقف الدول وحشد الدعم أو خفضه. بينما يتمثل «الردع العسكري» في إظهار القدرة على إحداث أثر سريع وحاسم، والهدف من ذلك جعل الطرف الآخر يراجع خططه. وبسبب تداخل هذين المسارين، قد تُطيل المرحلة الحالية أمد الترقب وتزيد احتمالات تقلب موازين القوة قبل أي اتفاق.

في النهاية، تُقدّم هذه القراءة استراتيجية تفترض أن إدارة الأزمة تسير بمنطق: ضغط متزايد من جهة، وإدارة مخاطره من جهة أخرى، إلى أن تتشكل مساحة تفاوضية واقعية. وبحسب ما ذُكر، فإن استمرار الضربات المتبادلة أو توسيعها—حتى مع بقاء الحديث عن المفاوضات—قد يكون جزءًا من هندسة الردع التي ترمي إلى تغيير سلوك الطرفين وصولًا إلى تسوية سياسية أو اتفاق قابل للتطبيق.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *