تؤكد تحليلات صادرة عن باحثين في الشأن الاقتصادي أن أي توتر في مسارات الملاحة الحيوية—مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس—لا يظل محصورًا في نطاق الشرق الأوسط، بل يمتد ليؤثر على الاقتصاد العالمي وعلى أسعار السلع داخل أوروبا وما وراءها. فهذه الممرات تمثل عقدًا أساسية في حركة التجارة الدولية، وتتحكم في تدفق جزء كبير من الإمدادات والمواد الخام التي تعتمد عليها قطاعات صناعية وزراعية متعددة.
وفي هذا السياق، أشار ميسرة بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات، إلى أن الحرب الأمريكية الإيرانية لم تُحدث انعكاسًا اقتصاديًا في أوروبا فقط، بل ضربت أيضًا الأسواق العالمية بشكل أوسع، لأن المنطقة التي تمر عبرها هذه الممرات البحرية تُعد مركزًا محوريًا لطرق النقل والسلع. ووفقًا لهذا الطرح، فإن الطاقة بوصفها السلعة الأكثر تداولًا عبر تلك المسارات هي عامل مباشر في تحريك الأسعار، لأن تعطل الإمداد أو ارتفاع المخاطر التشغيلية يؤدي إلى زيادة التكاليف اللوجستية وانعكاسها على سلة السلع.
وأوضح بكور خلال مداخلة إعلامية مع الإعلامية مارينا المصري في برنامج “مطروح للنقاش” على قناة القاهرة الإخبارية، أن اضطراب تدفق الطاقة ينعكس على أسعار مختلف السلع، لا سيما تلك المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بنفقات الطاقة والنقل. كما لفت إلى أن أسعار بعض السلع سجلت ارتفاعات تراوحت بين 100% و150%، وهو ما يعكس اتساع الأثر عبر سلسلة التوريد، من مرحلة الإنتاج إلى النقل والتوزيع.
وتوسّع التحليل في توضيح أن الموضوع لا يمكن اختزاله في النفط وحده؛ إذ يشمل الأثر كذلك الغاز ومشتقاته، والمعادن الصناعية مثل الألومنيوم، والمواد الخام المستخدمة في صناعة الأسمدة. فهذه العناصر ترتبط مباشرة بالإنتاج الصناعي والزراعي، ومن ثم تتصل بمؤشرات الأمن الغذائي عالميًا. وعندما تتأثر كلفة الطاقة وتتعطل خطوط الإمداد، ترتفع تكلفة تصنيع المواد الأساسية، ما يؤدي إلى ضغط على أسعار المنتجات النهائية وتهديد الاستقرار في سلاسل الإمداد الغذائية.
ومن زاوية أوروبا، شدد بكور على أن القارة لا تعتمد بالكامل على الواردات التي تمر عبر مضيق هرمز، لكن التأثير يظل واضحًا بسبب طبيعة الطاقة كسلعة عالمية. فارتفاع أسعار الطاقة لا يتطلب بالضرورة أن تمر كل شحنات أوروبا عبر نفس المضيق، لأن الأسعار تتشكل في السوق العالمية وتنتقل تلقائيًا إلى المستهلكين والصناعات. كذلك، يؤدي ارتفاع تكلفة الشحن إلى زيادة تكلفة نقل المواد الخام والمنتجات، إضافة إلى ارتفاع أقساط التأمين على السفن والبضائع نتيجة ارتفاع المخاطر، الأمر الذي ينعكس بدوره على تكلفة الإنتاج والنقل.
ولتعزيز فهم الصورة، يمكن إضافة أن اختلال مسارات الملاحة قد يخلق “تأخيرًا” في التسليم وزيادة في زمن الرحلة، ما يرفع تكاليف التشغيل ويؤثر في إدارة المخزون. كما أن تزايد المخاطر البحرية يدفع بعض الشركات إلى تغيير مسارات الإبحار أو اعتماد طرق بديلة أطول، وهو ما يزيد الاستهلاك من الوقود ويؤثر في جداول التسليم. ويزيد ذلك من حساسية الأسواق لأي تقلبات سياسية أو أمنية، خصوصًا مع ترابط سلاسل التجارة العالمية وارتباط الأسعار بعوامل متعددة مثل العرض والطلب وتكاليف التأمين واللوجستيات.
بناءً على ذلك، تتضح العلاقة بين اضطرابات الممرات البحرية وارتفاع أسعار السلع بوصفها سلسلة مترابطة: اضطراب الملاحة يرفع تكلفة الطاقة والنقل والتأمين، ثم تنتقل الزيادات إلى المواد الخام والمنتجات الصناعية والزراعية، لتنعكس في النهاية على أسعار السلع في الأسواق الأوروبية والعالمية. وتبقى هذه القضية مرتبطة مباشرة باستقرار التجارة البحرية والأمن البحري، لأنها تؤثر في الاقتصاد حتى عندما لا تكون مسارات المرور هي نفسها لكل دولة مستوردة.
وفي ضوء هذه النتائج، تشير التحليلات إلى أهمية مراقبة مؤشرات مثل تكاليف الشحن العالمية، وأسعار الطاقة والغاز، وتغيرات أقساط التأمين، إضافة إلى متابعة أسعار المعادن والمواد الغذائية المرتبطة بمدخلات الصناعة والزراعة، باعتبارها نقاطًا تكشف مبكرًا عن اتساع الأثر الاقتصادي للأزمات التي تضرب طرق الملاحة الرئيسية.

التعليقات