التخطي إلى المحتوى

سجلت بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في يناير 2026 نحو 1.099 مليون لاجئ مُسجلين في مصر، موزعين على 439.979 أسرة. وتُظهر البيانات أن الفئات الهشة، وعلى رأسها النساء والأطفال، تشكل 74.6% من إجمالي اللاجئين المسجلين، كما تمثل فئة ذوي الاحتياجات الخاصة 19.36%. وتؤدي هذه التركيبة إلى احتياجات نوعية مباشرة ترتبط بقدرات قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، والرعاية الصحية الأساسية والمتخصصة.

في الوقت نفسه، تكشف تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وجود فجوة كبيرة بين ما تُسجله الجهات الدولية وبين الواقع الفعلي لوجود الأجانب في مصر. ووفقاً للتقديرات المذكورة، لا ترصد المفوضية سوى قرابة 12.2% من إجمالي الوجود الأجنبي في البلاد، بينما تتحمل الدولة المصرية وحدها تكلفة رعاية ما يقارب 87.8% المتبقية دون تغطية دولية كافية. وتعد هذه الفجوة عنصر ضغط مركب؛ إذ لا يقتصر الأمر على اختلاف الأرقام فحسب، بل يمتد إلى تفاوت في مستوى التمويل والدعم المتاح للبرامج والخدمات المرتبطة بحماية اللاجئين ودمجهم.

وتوضح دراسة تحليلية أن الدعم الدولي لملف اللاجئين في مصر ما زال معتمداً بدرجة كبيرة على قائمة مانحين تقليديين. وتتصدر الولايات المتحدة المساهمات المالية بحوالي 15.5 مليون دولار، تليها مؤسسات الاتحاد الأوروبي بنحو 9.3 مليون دولار، ثم هولندا قرابة 4.4 مليون دولار، وإيطاليا حوالي 3.9 مليون دولار، وصولاً إلى سويسرا بنحو 2.5 مليون دولار. ويُشير هذا التركز إلى أن استدامة التمويل قد تتأثر إذا طرأ تراجع على مساهمات عدد محدود من الجهات، بما ينعكس على قدرة المؤسسات الشريكة على الاستمرار في تقديم الخدمات.

وتزيد حدة التحديات بفعل عجز تمويلي كبير في ميزانية المفوضية لعام 2025، بلغت نسبته 60.5% بما يعادل 83.36 مليون دولار. ويُذكر أن المجتمع الدولي التزم بتوفير 39.5% فقط من الاحتياجات الأساسية المقررة، ما يعني عملياً أن جزءاً واسعاً من البرامج قد يواجه نقصاً في الموارد، وتحول هذا العجز من رقم حسابي إلى واقع يتمثل في “خدمات ناقصة” في مجالات مثل الصحة والتعليم والحماية. ونتيجة لذلك، تضطر مؤسسات الدولة المصرية لسد فجوة التمويل عبر مواردها السيادية لتعويض غياب دعم دولي كافٍ، وهو ما يضع عبئاً غير مخطط له على الموازنة العامة.

ومن زاوية تنظيمية وقانونية، يُعد قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 تحولاً مهماً نحو حوكمة أكثر وضوحاً ودعماً للاتساق بين البيانات والخدمات. فقد استحدث القانون اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين كجهة وطنية وحيدة لمنح صفة اللاجئ، مع بناء قاعدة بيانات وطنية بهدف تقليص الفجوة الإحصائية بين البيانات المحلية وتلك المتاحة لدى المنظمات الدولية. ويسعى هذا الإطار إلى تحقيق توازن بين متطلبات الالتزامات الإنسانية تجاه طالبي اللجوء، ومتطلبات الأمن القومي، عبر وضع ضوابط تحد من الأنشطة السياسية وتدعم السلم المجتمعي عبر تعزيز الشفافية المعلوماتية.

كما يفتح هذا القانون الباب لتعزيز قابلية التخطيط للخدمات المرتبطة باللاجئين، مثل توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر هشاشة، وتحديد احتياجات المدارس والمستشفيات بشكل أدق، وربط مسار التوثيق بالحماية والإجراءات اللاحقة. وضمن السياق ذاته، تصبح الدعوة إلى تمويل دولي عادل ومستدام أكثر ارتباطاً بالأرقام الوطنية الموثقة، بما يساعد على تحويل الدعم من “استجابة ظرفية” إلى برامج متدرجة قادرة على الاستمرار وفق الاحتياج الحقيقي.

وبينما يعكس ارتفاع نسبة الفئات الهشة الحاجة لبرامج حماية ورعاية متخصصة، فإن استمرار الفجوة في التمويل والبيانات يشير إلى ضرورة مضاعفة الجهود لتقليص الهوة بين التسجيل الفعلي والواقع، وتحسين آليات الدعم، وتوسيع قاعدة المانحين أو تنويعها لضمان استدامة البرامج الحيوية. وفي النهاية، ترتبط قدرة مصر على تقديم خدمات كافية بالدرجة الأولى بمدى تحقق التزامات التمويل الدولية وتوافقها مع حجم الاحتياج الفعلي، بما يحافظ على جودة الخدمات ويقلل الأثر المباشر على القطاعات الأساسية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *