كشف الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، عن وجود ضغوط متراكمة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، مؤكداً أن الجيش يواجه تحديات داخلية تتعلق بالعنصر البشري وقدرته على الحفاظ على استقرار منظومة الخدمة العسكرية. وأوضح أن هذه الأزمات لا تظهر دائماً للعلن بالشكل الذي يسمح بقراءة دقيقة لحجمها داخل المجتمع الإسرائيلي، لكنها تظهر عبر مؤشرات متزايدة تتعلق بالالتزام والجاهزية النفسية والاجتماعية.
وفي حديثه خلال حواره ببرنامج “الحياة اليوم” مع الإعلامي محمد مصطفى شردي على قناة “الحياة”، أشار فهمي إلى أن زيادة حالات الانتحار، إلى جانب تزايد حالات التراجع عن الاستمرار في الخدمة العسكرية، تعكس وجود مشكلات عميقة لا يتم تداولها على نطاق واسع داخل إسرائيل. واعتبر أن هذه الظواهر تشير إلى بيئة مهنية ونفسية تتعرض لضغوط مستمرة، بما ينعكس على قدرة الأفراد على مواصلة الالتزام طويل الأمد.
أزمات العنصر البشري وتداعياتها
وأوضح فهمي أن الجيش الإسرائيلي يعاني من تحديات متصلة بالعنصر البشري، تشمل الإرهاق الناتج عن طول مدة الخدمة، والتوتر المزمن، وتزايد العبء على الجنود بسبب تكرار المهام وتغير أنماط القتال. كما شدد على أن استمرار الضغط على العاملين العسكريين، دون معالجة جذرية لجوانب الدعم النفسي والمهني، قد يقود إلى تصاعد الضغوط الداخلية وتراجع الاستجابة المؤسسية.
الحرب وتوسّع الاعتماد على الاحتياط
وأكد أستاذ العلوم السياسية أن الحرب والاعتماد المتزايد على قوات الاحتياط كشفا حجم الضغوط التي تواجه الجيش. فرغم أن الاحتياط يشكل رافعة عملياتية عند الحاجة، فإن تكرار استدعاء الجنود من وظائفهم وأعمالهم يخلق عبئاً مباشراً على المجتمع الإسرائيلي وعلى قطاعات العمل المختلفة. وأشار إلى أن هذا الاستنزاف لا يقتصر على الفرد وحده، بل يمتد إلى بيئة أسرية واقتصادية أوسع، بما يضعف القدرة على الحفاظ على وتيرة الاستدعاءات لفترات طويلة.
كما لفت فهمي إلى أن تراجع تجاوب بعض أفراد الاحتياط مع أوامر الاستدعاء يمثل تحدياً أمام المؤسسة العسكرية، خصوصاً في ظل الاعتماد المتزايد عليهم لسد احتياجاتها العملياتية. وقد يؤدي ذلك إلى فجوات في الجاهزية أو تأخير في تشكيل الوحدات المطلوبة، وهو ما ينعكس لاحقاً على كفاءة التخطيط العسكري وسرعة الاستجابة للمهام.
انعكاسات اجتماعية ومجتمعية على تماسك الجيش
ورأى فهمي أن هذه التطورات تعني وجود أزمة داخلية تتجاوز البعد العسكري البحت، وتمتد إلى تأثيرات اجتماعية ومجتمعية قد تؤثر على قدرة المؤسسة العسكرية على مواصلة مهامها بكفاءة. فتصاعد القلق لدى الأسر، وتآكل الثقة في جدوى الالتزام طويل الأمد، وتنامي الشعور بالإرهاق بين فئات مختلفة، قد يدفع جزءاً من المجتمع إلى إعادة النظر في خياراته المتعلقة بالخدمة العسكرية أو قبول الاستدعاء المتكرر.
وأضاف أن استمرار الضغوط قد يفتح الباب أمام تحديات تنظيمية، مثل تراجع القدرة على الاستبقاء، وتنامي مشكلات الانضباط أو الانقطاع، وتزايد الحاجة إلى سياسات دعم أقوى تشمل الرعاية النفسية وإعادة التأهيل وتحسين منظومة الحوافز. وأكد أن أي تجاهل لهذه المؤشرات قد يجعل الأزمة أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.
ماذا يعني ذلك للمستقبل العسكري الإسرائيلي؟
تدل قراءة هذه المؤشرات، وفق ما طرحه فهمي، على أن الجيش الإسرائيلي يواجه معضلة مزدوجة: من جهة تحديات تتعلق بالعنصر البشري واستقرار الأفراد نفسياً ومهنياً، ومن جهة أخرى استنزاف الاحتياط وما يترتب عليه اجتماعياً واقتصادياً. ومع تزايد الاعتماد على الاحتياط، قد يصبح الحفاظ على جاهزية مستمرة أمراً أصعب، خصوصاً إذا استمر تراجع الاستجابة أو تضاعفت آثار الاستدعاءات المتكررة على المجتمع.
في المحصلة، يشير طرح الدكتور طارق فهمي إلى أن تماسك الجيش الإسرائيلي بات مهدداً بعوامل داخلية غير معلنة على نطاق واسع، وأن معالجة جذور الأزمة—لا الاكتفاء بردود فعل ظرفية—تعد شرطاً للحفاظ على قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهامها في المدى القريب والمتوسط.

التعليقات