سجلت أسعار النفط الخام مكاسب أسبوعية ملحوظة في الأسواق الآجلة، مدعومة بعوامل جيوسياسية وإمدادية، إذ وصلت نسبة الارتفاع إلى نحو 15.9% لخام برنت وحوالي 15.5% لخام غرب تكساس الأمريكي، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ أكثر من شهر. وتُشير التطورات المتسارعة إلى أن السوق بات يتحرك وفق توازن حساس بين مخاوف نقص الإمدادات وتوقعات الطلب، مع استمرار نشاط المتداولين وإعادة تسعير المخاطر.
أولاً: أبرز العوامل التي دفعت صعود الأسعار
1) تصاعد مخاوف انقطاع الإمدادات بسبب توتر أمريكي-إيراني
تنامت المخاوف من أن يؤدي انهيار الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران إلى تراجع التدفقات من منطقة الخليج، خصوصاً بعد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز وإعادة فرض الحصار الأمريكي على الموانئ ومحطات تصدير النفط الإيرانية. ويُعتبر أي مساس بممرات التصدير الرئيسية عاملاً سريع التأثير على تسعير العقود الآجلة، نظراً لحساسية السوق تجاه تكاليف النقل والقدرة على الإمداد.
2) استهداف البنية التحتية للطاقة في دول الخليج
أفاد تقرير منظمة «أوابك» بأن من ضمن العوامل المحركة استهدافات مرتبطة بالبنية التحتية للطاقة في دول مجلس التعاون، بما في ذلك ناقلتي النفط «ممباسا» و«الباهية» التابعتين لدولة الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى منصة نفط بحرية تابعة لشركة نفط الكويت، وكذلك مرافق كهرباء ومياه في الكويت. مثل هذه التطورات ترفع علاوة المخاطر (Risk Premium) وتزيد احتمالات التأخير في التشغيل أو التعطل اللوجستي.
3) مخاوف نقص إمدادات الديزل عالمياً وتأثيرات على التكرير
ارتفعت درجة القلق من نقص إمدادات الديزل العالمية نتيجة الاستهداف المستمر للبنية التحتية للطاقة في روسيا، بما يشمل مصافي تكرير في مناطق مثل Bashkortostan وKrasnodar وYaroslavl. وبحسب ما ورد، دفع ذلك روسيا إلى تقليص صادراتها، وهو ما ينعكس مباشرة على توقعات الكميات المتاحة من المنتجات المكررة، وبالتالي يرفع شهية السوق لشراء الخام أو التسعير على أساس شح محتمل.
4) تراجع مخزونات النفط الخام الاستراتيجية في الولايات المتحدة
انخفضت مخزونات النفط الخام الاستراتيجية في الولايات المتحدة بمقدار 3 ملايين برميل لتصل إلى نحو 316.5 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ أبريل 1983. ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار الطلب الموسمي المرتفع من وحدات التكرير، ما يعني ضغطاً على المخزون السريع الاستجابة وتدعيماً للسعر.
5) مخاطر التوسع الجيوسياسي وتهديد طرق الملاحة البحرية
تشير المخاوف أيضاً إلى إمكانية توسع التوترات الجيوسياسية لتشمل استهداف الملاحة البحرية في مضيق باب المندب. وقد مر عبره خلال الشهر الماضي نحو 7.4 مليون برميل يومياً من النفط، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة سبباً كافياً لارتفاع الفروقات السعريّة الخاصة بتكاليف الشحن والبدائل اللوجستية.
ثانياً: ما الذي حدّ من الارتفاع ومنع الأسعار من صعود أكبر
1) توقعات تباطؤ اقتصادي وانخفاض الطلب بسبب التضخم
من أبرز العوامل التي تقف عائقاً أمام صعود إضافي توقعات بزيادة معدلات التضخم وتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، بما قد ينعكس على الطلب على النفط. ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، قد تتجه بعض القطاعات لتقليل الاستهلاك أو تباطؤ النشاط الصناعي، وهو ما يحد من وتيرة نمو الطلب.
2) جني الأرباح وإعادة ضبط مراكز المتداولين
كذلك زادت عمليات بيع عقود النفط الآجلة من قبل المتداولين لإعادة ترتيب المراكز الاستثمارية عبر جني الأرباح أو تقليص مراكز الشراء. وتظهر هذه السلوكيات عادة بعد موجات صعود قوية، حيث يتحول جزء من الطلب المضاربي إلى سيولة تحفظية، ما يخفف الضغط الصعودي.
3) إشارات مبكرة لاحتمال نمو الإنتاج الأمريكي
ارتفع عدد منصات حفر النفط الخام العاملة في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياته منذ مايو 2025، مسجلاً 452 حفارة. ويُنظر إلى هذا المؤشر كإشارة مبكرة لاحتمال ارتفاع الإنتاج مستقبلاً، ما يضع سقفاً جزئياً لاندفاع الأسعار، لأن السوق يبدأ في التسعير لاحتمالات زيادة المعروض حتى لو كان الأثر الفعلي على الإنتاج يحتاج وقتاً.
ثالثاً: قراءة سريعة لما قد يحكم الاتجاه خلال الفترة المقبلة
يرجح أن تظل تحركات الأسعار محكومة بتوازن دقيق بين «خطر انقطاع الإمدادات» و«توقعات الطلب». فإذا استمرت مؤشرات تعطّل الإمداد في طرق الشحن أو تصاعدت المخاطر على البنية التحتية للطاقة، قد تتلقى الأسعار دعماً إضافياً عبر ارتفاع علاوة المخاطر. وفي المقابل، فإن أي تحسن في مؤشرات الشحن والتجارة، أو تبدد جزء من المخاوف المرتبطة بالحصار والمضائق، مع استمرار إشارات نمو الإنتاج الأمريكي قد يحد من اتساع الارتفاع.
كما يمكن أن يظل سلوك المتداولين عنصراً مؤثراً على المدى القصير، خاصة مع موجات إعادة ضبط المراكز بعد الصعود السريع، إضافة إلى تأثير بيانات المخزونات الأمريكية ووتيرة تشغيل المصافي، باعتبارها من أهم المحددات الفورية لسيناريو العرض والطلب.

التعليقات