أكد الدكتور هشام إبراهيم، أستاذ الاستثمار والتمويل، أن الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة يمر بمرحلة متلاحقة من الأزمات والاضطرابات التي أصبحت سمة ثابتة للبيئة الاقتصادية الدولية؛ بدءًا من جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ثم اتساع دائرة التوتر في مناطق عدة من العالم، بما انعكس مباشرة على سلاسل الإمداد والتكاليف والقدرة على التخطيط طويل المدى. وأوضح أن التعامل مع هذه الظروف لا يقتصر على إجراءات آنية، بل يتطلب تغييرًا تدريجيًا ومدروسًا في استراتيجية التوجه الاقتصادي لتواكب سرعة التحولات وتقلل أثر الصدمات الخارجية.
وأشار إبراهيم في مداخلة عبر فضائية إكسترا نيوز إلى أن الخطوة الأولى تتمثل في تدعيم القاعدة الإنتاجية ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي، باعتبارها أولوية “بديهية” لمعظم الدول النامية، وعلى وجه الخصوص الدول التي تواجه تحديات في توفر السلع الأساسية أو الاعتماد المرتفع على الاستيراد. ولفت إلى أن زيادة الاعتماد على الموارد المحلية والقدرات الداخلية تمنح الاقتصاد مرونة أعلى عند ارتفاع الأسعار العالمية أو تعطل الشحن، كما تساعد على خلق وظائف وتقليل فجوات التمويل المرتبطة باستيراد السلع والخامات.
وفي السياق نفسه، شدد على أهمية التقارب بين الدول النامية، وخصوصًا الدول القريبة جغرافيًا، عبر بناء شبكات تعاون حقيقية تربط بينها وتقلل كلفة التجارة والوقت المستغرق في التبادل. وبيّن أن هذا التقارب يمكن أن يتجسد في قنوات متعددة، سواء كانت برية أو بحرية أو جوية، بما ينعكس على زيادة حجم التبادل التجاري وتسهيل حركة السلع والخدمات، فضلًا عن دعم الاستثمارات المشتركة ونقل الخبرات.
كما أشار إلى أن مصر كانت على مسافة ساعات من زيارة رئيس الجمهورية إلى تنزانيا، وهو ما اعتبره فرصة لتعزيز جسور التواصل وتدعيم القدرات والبنية التحتية في عدد من الدول. وأبرز أن التعاون لا يقتصر على عقود الشراء أو الجانب الشكلي، بل يمتد إلى مشروعات ذات أثر طويل المدى مثل تطوير البنية التحتية في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أو توسيع شبكات الطرق، بما يعزز القدرة على الربط الإقليمي ويخلق فرصًا جديدة للاقتصاديات المتقاربة.
وأضاف أستاذ الاستثمار والتمويل أن نقطة البداية العملية تتمثل في رفع القدرات التنافسية للاقتصاد، من خلال تحسين الإنتاجية، وتطوير سلاسل القيمة، وتعزيز كفاءة الإنفاق، وتمكين القطاع الخاص، إلى جانب دعم الابتكار والتحول الرقمي في مجالات حيوية. وبعد ذلك، يمكن الانتقال إلى مرحلة أوسع تشمل إعادة هيكلة الاقتصاد داخليًا، ثم إعادة ترتيب علاقاته الاقتصادية دوليًا بناءً على قراءة متجددة للمتغيرات.
وأوضح إبراهيم أن الاقتصاد العالمي لا يتغير ببطء، بل تتسارع وتيرة التحولات فيه، ما يجعل التحدي الأساسي هو “سرعة التغيير”؛ وهو ما يستوجب اتخاذ قرارات أسرع ومرونة أعلى في السياسات، مع اعتماد آلية لمراجعة مستمرة للعلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية كل فترة زمنية، لأن شكل الخريطة الاقتصادية العالمية وطبيعة المنافسة الدولية يتبدلان بشكل متواصل.
ولتعزيز هذه الرؤية، يمكن أن تتضمن استراتيجية التوجه الاقتصادي عناصر داعمة مثل تنويع مصادر الاستيراد لتقليل المخاطر، وزيادة قدرة التخزين وإدارة المخزون بما يحد من آثار انقطاعات الإمداد، وتوسيع التصنيع المحلي في المجالات القابلة للنمو، إضافة إلى بناء شراكات إقليمية في مجالات الطاقة والنقل واللوجستيات. كما أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية يمكن أن يرفع كفاءة التجارة ويقلل التكلفة ويدعم خدمات التصدير.
وخلاصة القول، يرى الدكتور هشام إبراهيم أن مواجهة صعوبة المرحلة لا تكون برد فعل واحد، بل باستراتيجية شاملة: تدعيم الإنتاج والاكتفاء الذاتي، والتقارب والتكامل بين الدول النامية، ورفع التنافسية، مع إعادة هيكلة مستمرة للعلاقات الاقتصادية داخلية وخارجية، بما يضمن قدرة أعلى على الصمود والاستمرار في ظل عالم متغير بسرعة.

التعليقات