التخطي إلى المحتوى

تواصلت الاكتشافات الأثرية في مصر لتكشف طبقات جديدة من تاريخ الحضارات المتعاقبة على أرض البلاد، حيث نجحت بعثة أثرية مصرية في العثور على 18 مقبرة أثرية ضمن منطقة مارينا العلمين، بالتزامن مع رصد امتداد للمدينة السكنية القديمة. ويُعد هذا الكشف خطوة نوعية تساعد الباحثين على فهم أعمق لطبيعة الاستيطان في المنطقة، وتلقي الضوء على التحولات الحضارية والدينية التي شهدتها عبر العصور، بما يفتح فرصًا أكبر لتطوير السياحة الثقافية إلى جانب السياحة الشاطئية.

## 18 مقبرة أثرية وامتداد للمدينة القديمة
أكد الدكتور أحمد عامر، الخبير الأثري، أن الاكتشاف الجديد في مدينة مارينا العلمين يضيف إلى سجل التنقيب الأثري في مصر، مشيرًا إلى أن أعمال الحفر كشفت عن 18 مقبرة، إلى جانب مؤشرات على امتداد المدينة السكنية القديمة. ووفقًا لتقييم الخبراء، فإن تنوع أنماط المقابر ومواد بنائها يعكس تعدد المراحل التي مرّت بها المنطقة، واحتمالات اختلاف المعتقدات والممارسات الجنائزية بين فترات زمنية مختلفة.

وتضمن الكشف 11 مقبرة منحوتة في الصخر بعمق يصل إلى 8 أمتار، إضافة إلى 7 مقابر مشيدة من الحجر الجيري، حيث لوحظت حالة حفظ جيدة لبعض أجزاء المنشآت. كما عُثر على دفنات سطحية، ما يرجّح وجود استخدام متكرر للموقع على فترات متباينة وليس دفعة واحدة فقط.

## دلائل جنائزية وقطع ذهبية نادرة
لم يقتصر دور الاكتشاف على المقابر نفسها، بل امتدت نتائجه إلى العثور على مجموعة من القطع الأثرية التي توضح ملامح المعتقدات القديمة. ومن أبرز المكتشفات 24 لسانًا ذهبيًا كانت تُوضع داخل فم المتوفى، وهي من العناصر المعروفة في بعض الممارسات الجنائزية القديمة المرتبطة بفكرة “اللسان” كرمز للقدرة على الكلام والبعث واستمرار الحياة في العالم الآخر.

كما تم العثور على قطعة ذهبية على هيئة الإله حورس، إضافة إلى مجموعة من العناصر الجنائزية الأخرى التي تعكس طقوس الدفن وما يرتبط بها من أدوات وزخارف. ومن بين المكتشفات كذلك بئر أعيد استخدامه لأغراض الدفن، وهو ما قد يشير إلى إعادة توظيف ملامح من البيئة المحلية بما يتوافق مع احتياجات الجنازات على مر الزمن.

## تماثيل وفنون تشير إلى تداخل حضاري
أظهرت المكتشفات حضورًا واضحًا لثراء فني وحضاري، إذ تم العثور على عدد من المسارج والأمفورات، إلى جانب تمثال لأبي الهول يُعد من الرموز المميزة في الفن والنحت المصري القديم. كما جرى رصد تمثال رخامي يُرجح أنه يجسد الإلهة أفروديت، بالإضافة إلى تمثال لشخص جالس عُثر عليه داخل إحدى المقابر.

وتُعد هذه العناصر مؤشرًا مهمًا على التداخل الثقافي بين الموروث المصري القديم وبين التأثيرات اليونانية والرومانية، وهو ما يتجلى كذلك في تنوع عناصر الدفن بين طقوس تحمل سمات مصرية، وعناصر أخرى تعكس صلات فنية ودينية أوسع.

## إعادة قراءة التاريخ عبر أدلة جديدة
يرى الدكتور أحمد عامر أن قيمة الكشف لا ترتبط فقط بالندرة والجمال الفني للقطع المكتشفة، بل تتجاوز ذلك إلى ما تقدمه من أدلة تساعد على إعادة قراءة تاريخ المنطقة وتحديد مراحل تطور الاستيطان فيها. فوجود امتداد حضاري متواصل من الحضارة المصرية القديمة وصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني يدعم فرضية أن المنطقة كانت ذات أهمية مستمرة، سواء من زاوية التعمير أو من زاوية المعتقدات الجنائزية.

كما أن اختلاف نوعية المقابر وعمقها ومواد بنائها يفتح المجال أمام دراسات أعمق حول تطور الطقوس واحتياجات السكان، وطريقة تنظيم مقابرهم، والعوامل التي أثّرت في اختيار مكان الدفن عبر الأجيال.

## دعم مباشر للسياحة الثقافية في العلمين
يُتوقع أن يسهم هذا الاكتشاف في تعزيز مكانة مدينة العلمين كوجهة للسياحة الثقافية، إلى جانب شهرتها الحالية كمقصد سياحي شاطئي. فمثل هذه النتائج تعطي للزائرين تجربة أغنى تجمع بين المتعة والتراث، وتساعد على جذب شرائح أوسع من المهتمين بتاريخ مصر القديمة والباحثين والمتخصصين من داخل وخارج البلاد.

وتعكس الاكتشافات الأثرية الجديدة قدرة الدولة على إبراز المقومات الحضارية المصرية بصورة أكثر شمولًا، بما يعزز مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية ويشجع على زيادة الاستثمارات في مسارات العرض الثقافي والتراثي المرتبطة بالمواقع الأثرية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *