تتجه مصر بخطى متسارعة إلى تعزيز أمنها الدوائي والبيولوجي عبر مشروع «مدينة اللقاحات والبيوتكنولوجيا»، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللقاحات وفتح مسارات تصدير واسعة إلى الأسواق الأفريقية. ويأتي هذا التوجه في إطار استجابة استراتيجية لتحديات سلاسل الإمداد العالمية بعد جائحة كورونا، ورغبة الدولة في تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة اللقاحات ودعم منظومة الصحة العامة.
وفي تصريحات للدكتورة هبة والي، نائب الرئيس التنفيذي لمدينة اللقاحات والبيوتكنولوجيا، أوضحت أن ملامح المرحلة الأولى من المشروع تم تصميمها لتكون ذات أثر مباشر على السوقين المحلية والإقليمية. ووفقاً للطرح المعلن، تستهدف المرحلة الأولى إنتاج 140 مليون جرعة من اللقاحات البشرية سنوياً، مع إمكانية زيادة الطاقة الإنتاجية عند كون بعض اللقاحات تُعبّأ بعدة جرعات داخل العبوة الواحدة. كما تشمل الخطة إنتاج 5 مليارات جرعة من اللقاحات البيطرية سنوياً، بما يدعم برامج التحصين وحماية الثروة الحيوانية.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن استثمارات المرحلة الأولى تبلغ نحو 3.7 مليار جنيه، مع خطة لرفع إجمالي الاستثمارات إلى حوالي 12 مليار جنيه بحلول عام 2030، بالتوازي مع استكمال المرحلتين الأولى والثانية. ويستهدف المشروع في جوهره تحقيق الاكتفاء الذاتي للسوق المصرية وفق توجيهات القيادة السياسية، ثم توسيع القدرة الإنتاجية تدريجياً لتخدم احتياجات القارة الأفريقية.
المرحلة الأولى: أرقام واضحة للاكتفاء والتوسع
تركز المرحلة الأولى على بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية احتياجات واسعة. ووفقاً للتصريحات، يبلغ المستهدف لإنتاج اللقاحات البشرية 140 مليون جرعة سنوياً في حالة تصنيع عبوات مخصصة لجرعة واحدة. أما في الحالات التي تحتوي فيها العبوة على أكثر من جرعة، فإن ذلك يتيح مضاعفة الطاقة الإنتاجية دون تغيير جوهري في حجم المنشآت، وهو ما يعزز المرونة الإنتاجية ويزيد من كفاءة استغلال المواد الخام ومكونات التصنيع.
وبالتوازي، تستهدف المدينة إنتاج 5 مليارات جرعة من اللقاحات البيطرية، وهو عنصر محوري نظراً لارتباط اللقاحات البيطرية بسلاسل إنتاج الغذاء وصحة الحيوانات واستقرار سلاسل الإمداد في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية. وتأتي هذه الخطوة كاستكمال لمنظومة الأمن الغذائي، عبر تقليل مخاطر تفشي الأمراض الوبائية بين الحيوانات بما ينعكس على خفض خسائر المزارعين والمنتجين.
لماذا التركيز على أفريقيا؟
يبرز بعد المشروع الإقليمي في ظل التوجهات القارية نحو زيادة إنتاج اللقاحات داخل أفريقيا. فقد أطلق الاتحاد الأفريقي مبادرة تستهدف وصول نسبة إنتاج اللقاحات داخل القارة إلى 60% من احتياجاتها بحلول عام 2040، بعد أن كانت حصة القارة من اللقاحات لا تتجاوز 1% عقب جائحة كورونا. ومن هذا المنطلق، ترى الدولة أن بناء قدرات إنتاجية محلية وقابلة للتوسع سيحول مصر إلى منصة تصنيع وتوريد على مستوى المنطقة.
التحول من الاعتماد إلى التصنيع المحلي
توضح الخطة أن الدولة استوعبت مبكراً التغيرات التي ظهرت في سوق الدواء واللقاحات أثناء الجائحة، وبدأت التخطيط لتنويع مصادر الإمداد وتقليل احتمالات التعطل المرتبطة بالتوريد الخارجي. وبذلك، لا يقتصر دور مدينة اللقاحات والبيوتكنولوجيا على سد احتياجات السوق المحلية، بل يمتد إلى خلق فرص تصدير مدعومة بقدرات إنتاجية وتخطيط طويل الأجل، بما يساهم في تعزيز مكانة مصر في الصناعات الدوائية الحيوية.
وعلى مستوى أوسع، فإن توجيه الاستثمار نحو تصنيع اللقاحات والبيوتكنولوجيا يفتح المجال كذلك لتطوير منظومة البحث والتطوير، وتعزيز نقل التكنولوجيا وبناء القدرات البشرية في مجالات التصنيع الحيوي وضبط الجودة وسلاسل الإمداد الدوائية. كما يدعم هذا المسار قدرة مصر على استيعاب احتياجات صحية مستقبلية واستجابة أسرع للتهديدات الوبائية، عبر امتلاك بنية إنتاجية قادرة على التوسع.
وبذلك، تمثل مدينة اللقاحات والبيوتكنولوجيا خطوة استراتيجية نحو الاكتفاء الذاتي والتوسع الإقليمي، بمستهدفات واضحة في المرحلة الأولى تجمع بين اللقاحات البشرية والبيطرية، وتمهّد لمرحلة جديدة من التصنيع الحيوي في مصر والمنطقة.

التعليقات