تشهد أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة حالة من الترقب والتذبذب المستمر، بالتزامن مع تحركات الأسواق العالمية والأحداث الجيوسياسية التي تؤثر مباشرة في سلوك المستثمرين. ويعتبر الذهب من أكثر الأصول ارتباطًا بالمستجدات الاقتصادية وقرارات السياسة النقدية، لذلك تزداد عمليات البحث يوميًا من قبل المواطنين بهدف الادخار أو الاستثمار أو شراء المشغولات الذهبية.
وفي هذا السياق، أوضح خبراء في قطاع الذهب أن تراجع الأسعار يأتي ضمن سلسلة من العوامل المتداخلة؛ أبرزها انخفاض سعر أوقية الذهب عالميًا، وتأثير سعر صرف العملات، إضافة إلى تغيرات العرض والطلب في الأسواق. كما تلعب قرارات البنوك المركزية وتوقعات أسعار الفائدة دورًا مهمًا في تحديد اتجاه المعدن الأصفر، إلى جانب تأثير التوترات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل شهية المستثمرين للمخاطرة أو الأمان.
أسباب التراجع: من النفط إلى الذهب
قال ناجي فرج، خبير صناعة الذهب، إن هناك تراجعًا كبيرًا في أسعار الذهب، مشيرًا إلى أن انخفاض أوقية الذهب تجاوز أكثر من 80 دولار لتصل إلى نحو 3379 دولارًا. وأضاف أن السبب الأساسي وراء الانخفاض يتمثل في الأحداث العالمية، خصوصًا الحرب المستمرة بين واشنطن وطهران، مؤكدًا أن هذه المواجهات تؤدي إلى خلل كبير في أسعار النفط.
وأوضح فرج أن اختلال أسواق الطاقة ينعكس على قرارات الدول التي قد تتجه إلى بيع الذهب لتوفير السيولة اللازمة، وتلبية احتياجاتها المتعلقة بالطاقة. ووفقًا لتصوره، فإن الأسعار في هذه المرحلة قد تكون “مرحلية”، وأن استقرار الأوضاع في المنطقة قد يفتح الباب لعودة ارتفاع أسعار الذهب مجددًا.
وأضاف أن البنوك المركزية عالميًا تتحرك أيضًا نحو إيجاد سيولة، ما قد يدفعها إلى اتخاذ قرارات تؤثر في اتجاهات الذهب. لذلك تتوقع الأسواق استمرار التذبذب، لأن حركة الذهب قد تتغير بسرعة كلما تغيرت المعطيات السياسية أو الاقتصادية.
مؤشرات نهاية 2026: انخفاض سابق ثم احتمال ارتفاع
من بين أبرز ما ورد، أشار الخبراء إلى أن سعر الأوقية انخفض من مستويات تجاوزت 5550 دولارًا إلى أقل من 4000 دولار، بما يوحي بأن التراجع كان قويًا. وفي الوقت نفسه، نُقل توصيف للسوق بأن الأسعار قد تكون مناسبة نسبيًا في الوقت الحالي لمن يتوفر لديه سيولة، مع توقعات بحدوث ارتفاعات جديدة قبل نهاية عام 2026.
رسالة شعبة الذهب: تراجع عالمي مع قلق خليجي-إقليمي
وفي اتجاه آخر، كشف المهندس هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، عن تراجع أسعار الذهب عالميًا مع بداية التعاملات، مؤكدًا أن القلق الناتج عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الخليج—وخاصة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران—كان له أثر واضح. ووفقًا لحديثه، فإن تداعيات هذه التطورات ظهرت تدريجيًا على أسواق النفط أولًا، ثم امتدت تأثيراتها إلى الذهب.
سعر الأوقية وتأثيره على السوق المحلية
أوضح هاني ميلاد أن سعر الأوقية شهد انخفاضًا بعد أن سجل مستويات تجاوزت 2100 دولار خلال الفترة الماضية، ليقترب من مستوى 2000 دولار. ورغم ذلك، لفت إلى أن سوق الذهب المحلية لم تشهد تغيرات حادة مقارنة بحجم الحركة العالمية.
وفسر ذلك بأن ارتفاع سعر الدولار لدى البنك المركزي ساعد في تقليل تأثير التراجع العالمي، ما ساهم في الحفاظ على حالة من الاستقرار النسبي داخل السوق المصرية.
ماذا تتوقع الأسواق خلال الفترة المقبلة؟
يرى رئيس شعبة الذهب أن حركة الأسعار في المرحلة المقبلة ستظل مرتبطة بشكل كبير بتطورات المشهد العالمي، وأن الأسواق قد تواصل التداول بين الصعود والهبوط بحسب مستجدات الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية. كما يعني ذلك أن قرارات الشراء قد تعتمد على توقيت توافر السيولة، وإمكانية الاستفادة من فترات التراجع، مع الأخذ في الاعتبار أن أي تحسن أو تهدئة سياسية قد ينعكس بسرعة على اتجاه الذهب.
نصائح للمشترين: كيف تتعامل مع التذبذب؟
في ظل التقلبات المتوقعة، يُنصح المستهلكون والمستثمرون بالتركيز على نقاط عملية تساعدهم على اتخاذ قرار أفضل، مثل:
– متابعة سعر الأوقية عالميًا وسعر الدولار محليًا بشكل مستمر، لأنهما من أهم محددات سعر الذهب.
– مقارنة أسعار الأعيرة (عيار 21 وعيار 24 وغيرها) بناءً على فرق السعر بين المشغولات والسبائك، لأن كل فئة قد تتأثر بشكل مختلف بعوامل التصنيع والهامش.
– تحديد الهدف: ادخار طويل الأجل أم شراء للاستخدام أو التداول قصير الأجل، لأن الاستراتيجية تختلف.
– شراء الكميات تدريجيًا عند توافر السيولة بدلًا من اتخاذ قرار واحد في وقت واحد، لتقليل أثر تذبذب السعر.
الخلاصة
تشير المعطيات الحالية إلى أن تراجع الذهب يرتبط بعوامل عالمية مباشرة، على رأسها اضطرابات مرتبطة بأسواق الطاقة والتوترات بين واشنطن وطهران، ما انعكس على انخفاض أوقية الذهب عالميًا. ومع ذلك، يتوقع خبراء أن تكون الأسعار الحالية مرحلة مؤقتة، وأن استقرار الأوضاع قد يقود لاحقًا إلى موجات ارتفاع جديدة، خصوصًا قبل نهاية 2026. لذلك تبقى متابعة المؤشرات العالمية واتخاذ قرار الشراء وفق السيولة والهدف أمرًا أساسيًا في التعامل مع هذا التذبذب.

التعليقات