يؤكد الشيخ عبد الله سلامة، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الإسلام لا يدعو إلى التمني أو الاتكال على الغيب دون عمل، بل يرسّخ مبدأ التخطيط وإدارة شؤون الحياة بوصفه جزءًا من فهم الإيمان الصحيح. فالأخذ بالأسباب سلوك تعبّدي، ينسجم مع التوكل على الله ولا يناقضه، لأن التوكل لا يُفهم بمعناه السلبي الذي يترك السعي، وإنما يُفهم بمعناه الإيجابي بعد بذل الجهد.
وأوضح أن الهجرة النبوية تمثل نموذجًا متكاملًا في التخطيط وإدارة المواقف الحرجة، حيث اتخذ النبي ﷺ قرار الخروج في وقتٍ مدروس، وأخفى موعده للحفاظ على الأمن وتقليل احتمالات المفاجأة. كما غادر ليلًا لتكون الخطة أكثر إحكامًا من جهة التوقيت والظروف، واستفاد من الخبرات المتاحة في الطريق، فاختار دليلًا ذا كفاءة وخبرة حتى وإن لم يكن مسلمًا، بما يدل على مشروعية الاستعانة بالأهل الخبرة لتحقيق المصلحة، ما دام ذلك ضمن ضوابط الشرع.
ومن مظاهر التخطيط أيضًا توزيع الأدوار بين من شاركوا في الرحلة، إذ قامت أسماء بنت أبي بكر بدورٍ في تجهيز ما يلزم وتوفير المعلومات في حدودها الشرعية، وكان عبد الله بن أبي بكر يقدّم متابعةً للأحداث بما يعين على اتخاذ القرار، بينما قام عامر بن فهيرة بترتيبات داعمة في السير وتوفير المعلومات والتموين. ويبرز من هذا التنسيق أن إدارة الأزمات تحتاج إلى وضوح المهام وتكامل الأدوار، لا إلى اجتهاد فردي معزول.
وشدد الشيخ على أن التوكل الحقيقي يأتي بعد بذل الأسباب، فلا يُتوقع تحقق النتائج بلا سعي. فطلب النجاح أو الرزق أو تحقيق الهدف دون عمل يُعد تواكلًا لا توكلًا؛ لأن التوكل الشرعي يعني أن يبذل الإنسان جهده وفق السنن، ثم يسلّم أمر النتيجة لله تعالى. ومن أقوال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يرسّخ هذا المعنى: «فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة»، أي إن النتائج المادية لا تُنال إلا بالأسباب والسعي.
كما أضاف أن التخطيط في الإسلام يشمل جوانب متعددة: تنظيم الوقت، تقدير المخاطر، أخذ المعلومات الصحيحة، اختيار الطرق الأنسب، وتحديد الأولويات. فالمسلم مأمور بالأخذ بالوسائل التي تحقق المقصود، مع مراقبة الضوابط الشرعية في العمل، والبعد عن الظلم أو الغش أو التعدي، لأن الأخذ بالأسباب لا يعني الانفلات، بل الالتزام بالحق.
ويفهم من ذلك أن الهجرة النبوية ليست حدثًا تاريخيًا فحسب، بل مدرسة عملية في المعنى العميق للتوكل: بذل الجهد، مع وعي أن الأمر كله بيد الله. فحين أحكم النبي ﷺ الخطة، واستعان بالخبرة، ووزع الأدوار، ثم ترك التقدير لله؛ تحققت بركة الأسباب وصدق التوكل معًا.
وبهذا يرسخ الإسلام قاعدة جامعة: التخطيط عبادة، والأخذ بالأسباب جزء من الإيمان، والتوكل مقامٌ لا ينفصل عن العمل؛ لأن من جمع بين السعي والاعتماد على الله بلغ من الحكمة ما يجعل جهده أقرب للنجاح وأبعد عن اليأس.

التعليقات