أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن توجه الدولة نحو تطبيق «الدعم النقدي» يُعدّ خيارًا أفضل من حيث الكفاءة، بشرط أساسي يتمثل في بناء «الثقة» بين الحكومة والمواطنين، بما يضمن قبول التحول ويحدّ من المخاوف المرتبطة بتغير الأسعار.
وخلال ظهوره في بودكاست «موعد مع لميس» الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، شرح غالي أن نجاح الدعم النقدي يتوقف على وجود آلية واضحة وشفافة تضمن مراجعة الأسعار بشكل دوري، وربط أي تحرك في الأسعار بتفعيل الدعم النقدي. واقترح أن يتم تشكيل لجنة تضم ممثلين عن قطاعات شعبية مختلفة، مثل أفراد من المجتمع واتحادات العمال واتحادات الصناعات، إلى جانب الجهات المعنية، على أن تقوم هذه اللجنة بمراجعة الأسعار كل ثلاثة أشهر. وفي حال تحرك الأسعار، يتم تحريك منظومة الدعم النقدي وفقًا لذلك، أما إذا لم تتحرك الأسعار فيظل الدعم دون تغيير.
وأوضح غالي أن الدعم النقدي يُنظر إليه باعتباره أكثر كفاءة من الدعم السلعي المباشر؛ لأن الدعم النقدي يتيح للمواطنين اختيار احتياجاتهم الفعلية بدلًا من ربط المساعدة مباشرة بسلعة بعينها. كما أنه يعزز قدرة الدولة على استهداف الاحتياجات بشكل أفضل، ويقلل من التحديات المرتبطة بالتوزيع العيني وتكاليف الإمداد والرقابة.
وعند سؤاله عن سبب عدم تنفيذ هذا التوجه سابقًا خلال فترة توليه المسؤولية، أكد غالي أنه تمت محاولة التحول نحو الدعم النقدي، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف كان قد طرح الفكرة، وأنه تحدث عنها أكثر من مرة. إلا أنه لفت إلى أن العائق كان يتمثل في «عنصر عدم الثقة» بين الجمهور والحكومة.
وركز في تفسيره على أن المخاوف كانت تدور حول ما إذا كان التحول إلى الدعم النقدي سيؤدي بالضرورة إلى زيادة الأسعار دون ضمان تحرك الدعم بما يعوض المواطنين. وذهب إلى ضرب مثال توضيحي مبسط: إذا كان سعر «كيلو رز» حاليًا يساوي عشرة جنيهات، فهل سيظل الوضع كما هو بعد تطبيق الدعم النقدي؟ وإذا لم يتم توفير ما يقابل ذلك من خلال حركة الدعم أو ضمان الأسعار، فإن المواطن قد لا يستفيد فعليًا. وبحسب رؤيته، فإن غياب الثقة يجعل المواطن يشك في قدرة الدولة على حماية قوته الشرائية.
ولذلك شدد غالي على أن المطلوب ليس مجرد تغيير نوع الدعم، بل العمل المتوازي على بناء قنوات تواصل وشفافية تسمح بتفسير القرارات، وتقديم ضمانات عملية للمراجعة الدورية للأسعار، وتحديد قواعد واضحة لتفعيل الدعم عند الحاجة. كما أن إشراك ممثلين من المجتمع المدني والاتحادات العمالية والصناعية ضمن لجنة المراجعة يُعد خطوة لتعزيز قبول القرار، لأن المواطن يطمئن إلى أن هناك جهة راقبة تضم أصواتًا مختلفة وليست جهة حكومية فقط.
وبينما يتجه النقاش في مصر إلى نماذج مختلفة للدعم والحماية الاجتماعية، يظل شرط الثقة الذي ركز عليه الدكتور يوسف بطرس غالي عنصرًا محوريًا في تصميم أي برنامج دعم نقدي ناجح، خاصة في ظل أهمية الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وقوة الشراء، وضمان أن يشعر المواطن بأن التحول يأتي بخيار محسوب يراعي مصالحه، لا كقرار مفاجئ يتركه وحده أمام تغيّرات الأسعار.

التعليقات