التخطي إلى المحتوى

أكد الكاتب الصحفي عماد الدين حسين أن السلام يبقى، في العموم، الخيار الأفضل مقارنة بالحرب والعنف، غير أنه ربط تحققه بما سماه “السلام العادل”، والذي لا يمكن أن يقوم دون توازن في القوة. وأوضح أن توازن القوة ليس شعاراً سياسياً بقدر ما هو شرط لإقناع الأطراف بأن كلفة التصعيد ستكون مرتفعة، وأن كلفة التهدئة ستكون أقل جدوى. وشدّد حسين على فكرة مركزية مفادها أن أحداً لا يمنح الآخر مكاسب بصورة مجانية، وأن أي ترتيبات لا تستند إلى واقع ميداني وقواعد ردع واضحة ستظل مؤقتة.

وأوضح خلال مداخلة عبر شاشة “القاهرة الإخبارية” أن أي تفاهمات أو اتفاقيات أمنية أو تطبيع لا تستطيع، وحدها، ضمان استقرار دائم في المنطقة إذا غاب هذا التوازن. ورأى أن المنطقة ستظل عرضة لدوامة الاشتعال ما دامت الأسباب البنيوية للصراع قائمة، وفي مقدمتها تنافس النفوذ، ومخاوف الأمن الإقليمي، وملفات النزاع التي لم تُحسم جذرياً. ومن وجهة نظره، فإن غياب المعالجات الواقعية يخلق فجوات تعود منها الأزمات إلى الظهور كلما تغيرت موازين الضغط أو تبدلت مواقف الأطراف.

وفي سياق تقييمه لسياسات واشنطن، اعتبر حسين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أخطأ في تقدير طبيعة المنطقة، إذ افترض أن بإمكانه فرض رؤيته بسرعة عبر قرارات أو مسارات ضغط قصيرة الأجل. إلا أن ذلك اصطدم بواقع إقليمي معقد، حيث تتداخل حسابات القوى المحلية والإقليمية مع اعتبارات الردع والمصالح الاستراتيجية، ما جعل تحقيق الأهداف على النحو المعلن أصعب من المتوقع.

وأضاف أن هذا التعثر الاستراتيجي قد يدفع الإدارة إلى محاولة تغيير الوقائع على الأرض عبر العودة إلى مسارات تصعيدية. فالخطاب الذي يركز على “الحسم السريع” قد يتعارض مع ديناميكيات المنطقة التي تعتمد على تراكمات تاريخية وصراعات متشابكة، الأمر الذي يجعل أي محاولة لفرض معادلات جديدة من دون بناء توافقات فعلية قابلة للاستمرار عرضة للفشل.

ولإثراء الصورة، يمكن القول إن عودة التصعيد عادة ما تكون نتيجة تقاطع عوامل متعددة، منها: تقديرات خاطئة لطبيعة ردود الفعل، رغبة سياسية في استعادة الزخم داخل السياسة الداخلية، ووجود حسابات ردع تتطلب رسائل قوية بدلاً من المراهنة على ترتيبات قد تُفسَّر كتنازل أو كضعف. كما أن غياب “قنوات إدارة الأزمات” الفعّالة قد يحول أي حادث أو سوء تقدير إلى خطوة تصعيد أكبر، بما يطيل أمد المواجهة.

وفي المقابل، يرتبط مفهوم السلام العادل—كما يُفهم في هذا الطرح—بتوافر مؤشرات تضمن عدم تكرار دورة العنف؛ مثل خطوات تدريجية نحو ضبط الحدود، وتفاهمات أمنية قابلة للقياس، وتعاون إقليمي يحد من احتمالات إسقاط الأزمات على شكل صدام شامل. ومع ذلك، فإن نجاح هذه المسارات يظل مرهوناً بأن يشعر كل طرف أن مصالحه الأساسية محمية، وأن ميزان القوة لا يميل بالكامل لصالح طرف واحد.

الخلاصة أن حسين يرى أن عودة التصعيد الأميركي ضد إيران لا تُفهم فقط عبر حادثة آنية أو تصريح سياسي، بل ضمن إطار أوسع يتعلق بتوازن القوة، وبمدى واقعية افتراضات واشنطن حول سرعة تغيير المعادلات، وبمدى معالجة جذور الصراع بدل الاكتفاء بتفاهمات سطحية أو ترتيبات مؤقتة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *