أكد الدكتور فرج عبدالله، الخبير الاقتصادي، أن التوسع في إنشاء المدن الجديدة يُعد من أبرز محركات الاقتصاد المصري خلال المرحلة الحالية، لما يمثله من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على النمو وفرص العمل والاستثمار وتوازن الأسواق. وأوضح أن قطاع التشييد والبناء يساهم بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يرتبط بعدد كبير من القطاعات الاقتصادية الأخرى، بما يجعل تأثيره واسعًا في معدلات التشغيل والإنتاج.
وأضاف عبدالله أن المدن الجديدة لم تعد مشروعات عمرانية معزولة، بل تحولت إلى مجتمعات متكاملة تُدار بمنطق تنموي يستهدف جذب السكان والاستثمارات على مدار العام. وتشمل هذه الرؤية توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية، إضافة إلى منظومة تعليمية وصحية تُسهم في رفع جودة الحياة، مع تطوير مناطق صناعية وخدمية قادرة على استيعاب الأنشطة الاقتصادية المختلفة. ومن بين الأمثلة التي تمثل هذا التوجه: العلمين الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة والمنصورة الجديدة، التي يجري العمل فيها وفق مخططات تستهدف تكامل الأدوار بين السكن والعمل والخدمات.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن جذب الاستثمارات—وخاصة الأجنبية—يلعب دورًا محوريًا في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. فمن جهة، تنشئ مشروعات الإنشاء والتشغيل وظائف في مجالات المقاولات والهندسة والعمالة الماهرة. ومن جهة أخرى، يدفع توسع النشاط إلى نمو قطاعات مساندة مثل الخدمات اللوجستية والتجارة والاتصالات والصناعات المغذية، ما ينعكس على رفع حجم الناتج المحلي وتحسين مستوى المعيشة على المدى المتوسط.
كما أوضح أن زيادة الاستثمارات تعني زيادة الإنتاج وتوسيع المعروض من السلع والخدمات، وهو ما يساعد في دعم استقرار الأسعار. فكلما ارتفع معدل الاستثمار وازدادت القدرة الإنتاجية، تقل الضغوط السعرية الناتجة عن محدودية المعروض أو اختلال التوازن بين العرض والطلب. ومع ذلك، أكد أن نجاح هذا الأثر مرتبط بنوع الاستثمارات ومدى تكاملها مع القطاعات الإنتاجية، وقدرتها على تلبية احتياجات السوق وتحسين كفاءة سلاسل التوريد.
وتناول عبدالله أيضًا دور القطاع الخاص والدولة داخل منظومة المدن الجديدة. فبينما يقوم القطاع الخاص بتطوير المشروعات وإطلاق نماذج استثمارية متنوعة تخاطب شرائح مختلفة من المواطنين، يظل الدور الأساسي للدولة هو توفير البنية الأساسية والتخطيط العمراني والتنظيم الذي يضمن استدامة التطوير. ويعزز هذا التوزان بين الأدوار قدرة المدن على جذب رأس المال وتحويله إلى نشاط اقتصادي مستمر.
ولإثراء الرؤية التنموية، شدد الخبير على أن استدامة فرص العمل تتأتى من طبيعة نموذج التنمية داخل المدن الجديدة، حيث لا يقتصر الأمر على مرحلة البناء فقط، بل يمتد إلى مراحل التشغيل والخدمات والتعليم والصناعة—وهو ما يجعل التوظيف أكثر استقرارًا مقارنة بالوظائف الموسمية. كما أن وجود جامعات ومدارس ومراكز تدريب داخل المجتمعات الجديدة يساهم في رفع كفاءة القوى العاملة المستقبلية وربطها باحتياجات سوق العمل.
وفي ختام تصريحاته، أكد الدكتور فرج عبدالله أن استمرار التوسع في المدن الجديدة يرفع قدرة الاقتصاد المصري على النمو عبر خلق وظائف أكبر، وجذب استثمارات نوعية، ودعم منظومة إنتاج أوسع، بما يعزز استدامة التنمية ويرفع كفاءة الاقتصاد على المدى الطويل، ويزيد من قدرة السوق على تحقيق توازن أفضل في الأسعار.

التعليقات