لم يكن إعلان مجموعة e& الإماراتية التخارج الكامل من استثمارها في مجموعة فودافون مجرد عملية بيع أسهم، بل جاء كخطوة تعكس تحولًا أعمق في طريقة إدارة المجموعة لمحفظة استثماراتها. فبدل الاكتفاء بدور “المستثمر المالي” في شركات اتصالات عالمية، اتجهت e& إلى تعزيز التوجه نحو القطاعات التي تمنحها تأثيرًا تشغيليًا أكبر ومزايا مباشرة داخل الاقتصاد الرقمي.
وعلى الرغم من أن البيان الرسمي للمجموعة ربط القرار بإعادة ترتيب الأولويات والتركيز على الأعمال الأساسية، فإن قراءة توقيت الصفقة وحجم العائد والنتائج المتاحة لكلا الطرفين تشير إلى أن الخروج تم بعد وصول الاستثمار إلى مرحلة مناسبة لتعظيم المكاسب. إذ تُظهر مؤشرات الأداء أن قرار البيع لم يأتِ في ظل تدهور حاد لدى فودافون، بل في وقت كانت فيه الشركة قد حققت تحسنًا واضحًا في ملامحها التشغيلية والمالية.
فقد كشفت نتائج فودافون للسنة المالية 2025/2026 عن نمو معتبر: إذ بلغت الإيرادات 40.5 مليار يورو بنمو سنوي 8%، مع ارتفاع إيرادات الخدمات إلى 33.5 مليار يورو ونمو عضوي بلغ 5.4%. كما سجلت الشركة تدفقات نقدية حرة معدلة بقيمة 2.6 مليار يورو، ورفعت توزيعات الأرباح للمساهمين بنسبة 2.5%. وترافق ذلك مع حقيقة أن فودافون نفذت خلال السنوات الماضية برنامجًا واسعًا لإعادة الهيكلة، شمل التخارج من بعض الأسواق، وإعادة ترتيب الأصول، وخفض التكاليف، وتحسين الكفاءة التشغيلية، ما جعل الاستثمار أكثر قابلية لتحقيق عائد رأسمالي عند مستويات تقييم أفضل.
في المقابل، لم تكن e& مضطرة للاحتفاظ بهذا الاستثمار لدعم سيولتها أو تمويل احتياجاتها قصيرة ومتوسطة الأجل. فالمجموعة حققت نموًا قويًا في أعمالها الأساسية خلال 2026، حيث سجلت خلال الربع الأول إيرادات بلغت 19.4 مليار درهم بنمو 15.1%، وارتفع الربح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك إلى 8.6 مليار درهم بنمو 16.5%، بينما بلغ صافي الربح 2.9 مليار درهم. وعلى مستوى عام 2025، سجلت e& إيرادات قياسية بلغت 72.9 مليار درهم بزيادة 23.1%، وقفز صافي الأرباح إلى 14.4 مليار درهم بنمو 33.6%، مع وصول قاعدة مشتركيها إلى 248 مليون مشترك. وتدل هذه الأرقام على وجود مصادر نمو داخلية قوية، ما يوفر للمجموعة مرونة لإعادة تدوير رأس المال نحو فرص أكثر ارتباطًا بخططها المستقبلية.
وتشير هذه المنحنيات إلى أن e& ترى أن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل الاستثمار من “حصة في شركة اتصالات مدرجة” إلى استثمارات تمنحها قيمة أوسع في سلاسل القيمة الرقمية. ومن أبرز المجالات التي تركز عليها مثلًا: الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والخدمات الرقمية التي تتحول فيها شركات الاتصالات من مزود خدمة تقليدي إلى لاعب في بنية تحتية تقنية عالية التأثير. وبذلك يصبح الهدف ليس فقط تحقيق عوائد مالية، بل أيضًا بناء قدرات وتواجد تقني يمكن ترجمته إلى نمو تشغيلي واستحواذ على فرص جديدة.
كما يعزز هذا الاتجاه ما ورد في تفاصيل الصفقة واتفاقيات ما بعد البيع. فقد أكدت المجموعة أنها أنهت اتفاقية التعاون مع فودافون، واستقال ممثل e& من مجلس إدارة الشركة. وتُفهم هذه الخطوة كدلالة على أن العلاقة لم تعد قائمة على شراكة استراتيجية طويلة الأجل، بل انتهت بعد تحقيق العائد الاستثماري المستهدف وإعادة توجيه رأس المال.
ومن زاوية الاستثمار المالي، تُظهر الصفقة نجاح e& في اختيار توقيت التخارج. فقد باعت المجموعة كامل حصتها البالغة 16.21% مقابل نحو 5.95 مليار دولار، وبعلاوة سعرية وصلت إلى 13% فوق سعر السوق. ووفرت هذه العملية سيولة نقدية صافية تقارب 1.3 مليار دولار، وهو ما يعزز قدرة e& على تمويل التوسعات القادمة أو دعم الاستثمارات في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية دون زيادة الضغط على الموارد.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن بيع e& لحصتها في فودافون لا يعكس بالضرورة ضعفًا في تقييم الشركة البريطانية، بل يعكس اقتناعًا بأن المنافسة العالمية تتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والخدمات التقنية المتقدمة. وفي بيئة كهذه، تميل المجموعات إلى توجيه رأس المال نحو مسارات تُحوّل الاستثمار إلى نفوذ تشغيلي وفرص نمو مستقبلية أكثر مباشرة.
وبالتالي، تبدو الخطوة أقرب إلى “إعادة هندسة محفظة” تصب في مصلحة استراتيجية e&: الحفاظ على زخم النمو عبر أعمالها الأساسية محليًا وعالميًا، وفي الوقت نفسه فتح المجال لفرص أكثر انسجامًا مع مستقبل الاتصالات الذي تقوده البيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات.

التعليقات