في إطار رسالتها الثقافية والتوعوية، وفي تزامنٍ مع مناسبتين بارزتين يشهدهما شهر يوليو (ذكرى اكتشاف حجر رشيد واليوم العالمي للشطرنج)، أطلقت متاحف الآثار على مستوى الجمهورية مبادرة «القطع المميزة لشهر يوليو». وتستند المبادرة إلى إبراز نماذج منتقاة من روائع مقتنيات المتاحف، بما يوضح عمق التراث المصري وتنوعه عبر العصور، ويقرب الجمهور من قصص القطع الأثرية من خلال محتوى تعرفي يتفاعل معه المتابعون عبر الصفحات الرسمية للمتاحف.
وتأتي هذه الخطوة ضمن تقليد شهري اعتادت عليه متاحف الآثار، حيث تُتاح للجمهور فرصة التصويت عبر «فيسبوك»، بما يعزز صلة المجتمع بالمتحف ويشجع على متابعة الاكتشافات والمعاني التاريخية الكامنة داخل القطع.
## أولًا: ذكرى اكتشاف حجر رشيد (19 يوليو)
يوافق 19 يوليو ذكرى اكتشاف حجر رشيد عام 1799 خلال الحملة الفرنسية على مصر. ويُعد الحجر واحدًا من أكثر الشواهد أهمية في تاريخ دراسة الحضارة المصرية القديمة، لأنه يحمل نصًا لمرسوم ديني وسياسي مكتوبًا بالهيروغليفية والديموطيقية، إلى جانب اليونانية القديمة. وقد أتاحت هذه اللغة المتعددة فرصة مقارنة النصوص، وهو ما ساعد العلماء على فك رموز الكتابة المصرية القديمة.
ومن أبرز الأسماء التي أسهمت في هذا المسار: توماس يانج، ثم جان-فرانسوا شامبليون، الذي يُنسب إليه الدور الأكبر في الوصول لفهم الهيروغليفية عبر الدراسة المقارنة للنصوص. ولم يقتصر أثر فك الرموز على لغةٍ بعينها، بل فتح الباب لدراسة أوسع لحياة المصريين ومعتقداتهم وتنظيم الدولة في مختلف العصور.
وبهذه المناسبة، تسلط المتاحف الضوء على قيمة الكتابة بوصفها وعاءً لحفظ المعرفة ونقل الحضارة. كما تُظهر نماذج القطع المعروضة أن النصوص لم تكن حكرًا على الملوك، بل رافقت مختلف فئات المجتمع: من الكتّاب والموظفين ورجال الدين إلى الصناع وأصحاب المقابر.
ومن أبرز «القطع المميزة» المندرجة تحت ذكرى حجر رشيد:
– **المتحف القبطي**: شقفة من الحجر الجيري (أوستراكا) ترجع للقرن السابع الميلادي، مكتوب عليها بالقبطية خطاب موجه من باتور إلى البار نثنائيل.
– **متحف الشرطة القومي بالقعلة**: مقلمة من النحاس ترجع إلى العصر المملوكي، مزودة بمحبرة لحفظ أدوات الكتابة، ومزينة بكتابات منفذة بخط الثلث.
– **متحف المركبات الملكية ببولاق**: خاتم من الذهب خاص بالملكة فريدة، زوجة الملك فاروق الأول، تتداخل فيه زخارف مستوحاة من الفن المصري القديم وعناصر هيروغليفية؛ حيث تظهر الملكة نفرتيتي جالسة يعلوها قرص الشمس الآتوني، وبجانبها خرطوش ملكي، وتزين الجهة السفلية زخرفة زهرة اللوتس.
– **متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب**: لوحة خشبية كُتب عليها بماء الذهب «بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك…» وهي جزء من سورة الفتح.
– **متحف مطار القاهرة الدولي (مبنى الركاب 2)**: تمثال كتلة من الجرانيت الأسود لشخص يُدعى «حورسا إيست»، نُقشت عليه أعمدة من النصوص الهيروغليفية تتضمن الألقاب والوظائف وأعمال صاحب التمثال، مع أدعية.
– **متحف مطار القاهرة الدولي (مبنى الركاب 3)**: لوحة من الحجر الجيري الملون تتضمن ناووسًا يحتضن المعبود أوزير، يعلوه مشهد شروق الشمس تحيط به قرود بابون رمزًا للاحتفاء بالبعث، مع نقوش هيروغليفية لألقاب أوزير؛ وقد عُثر عليها في جبانة أبيدوس وترجع إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين.
– **متحف إيمحتب بسقارة**: تمثال من الحجر الجيري على قاعدة ملونة بالأسود، نُقش عليه نص بالهيروغليفية ويرجع إلى عصر الدولة القديمة؛ عُثر عليه في مصطبة C10 بسقارة ويبلغ ارتفاعه نحو 42 سم، ويصور قارئًا يُدعى «بتاح شبسس» جالسًا ممسكًا ببردية كأنه يقرأ.
– **متحف تل بسطا بالشرقبة**: جزء من عتب باب من الحجر الجيري لمعبد الملك بيبي الأول، ويحمل كتابات بالمصرية القديمة.
– **متحف طنطا بالغربية**: لوحة من الحجر الرملي من عصر الأسرة العشرين تُظهر الملك رمسيس الثالث يقدم القرابين إلى آمون-رع، مع ظهور المعبود على أحد الجانبين، وتبرز الألقاب والنصوص بالهيروغليفية الغائرة.
– **متحف السويس القومي**: لوحة مستطيلة نفذت بالحفر الغائر يظهر عليها شخص يقدم القرابين للمعبود أوزير، وتعلو المشهد ستة أسطر من الهيروغليفية الغائرة، مع إطار يحمل نصوصًا ولا تزال له آثار ألوان.
– **متحف الإسماعيلية**: قطعة شبه مستطيلة من الجرانيت من العصر اليوناني الروماني، عليها نقش باللغة اليونانية من ثمانية أسطر، عُثر عليها في منطقة المحمدية بشمال سيناء ضمن حفائر «كليدا» عام 1909.
– **متحف الإسكندرية القومي**: تمثال من الجرانيت الأسود من عصر الدولة القديمة يصور كاتبًا مصريًا قرفصاء، يرتدي شعرًا مستعارًا وتبرز أذناه، ويتوسطه قلادة ويجلس ممسكًا بيديه على ركبتيه.
– **المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية**: «لوحة النصر لكورنيليوس جالوس» من جرانيت أسوان الوردي، مؤرخة بعام 29 ق.م، وتضم نصوصًا بثلاث لغات، مع قرص شمسي مجنح ومشهدًا لفارس يهاجم عدوه بالطراز الهلنستي، وقد استُخدمت لاحقًا في معبد أغسطس بفيلة.
– **متحف كفر الشيخ**: كتلة من الحجر الجيري على هيئة لوحة شبه مستطيلة تحوي بقايا كتابات هيروغليفية غائرة في أربعة أسطر رأسية.
– **متحف شرم الشيخ بجنوب سيناء**: محبرة خشبية كانت تُستخدم لحفظ الأقلام والأحبار اللازمة لنسخ النصوص وتدوين الوثائق، وتحتفظ بآثار للحبرين الأحمر والأسود؛ حيث ارتبط الأسود بكتابة المتن، بينما خُصص الأحمر للعناوين والعلامات المهمة.
– **متحف الأقصر للفن المصري القديم**: مسلة صغيرة من الجرانيت الوردي تحمل نقوشًا غائرة على جوانبها الأربعة، يظهر ضمنها اسم الملك رمسيس الثالث وألقابه.
– **متحف التحنيط بالأقصر**: «صندوق الأوشابتي» من الخشب الملون لحفظ تماثيل الأوشابتي «المجيبة» التي كان يُعتقد أنها تؤدي الأعمال نيابة عن المتوفى في العالم الآخر، مخصص لشخص يُدعى «خع حور» من كهنة منتو، ويرجع للعصر المتأخر.
– **متحف مطروح**: باب وهمي من الحجر الجيري يعلوه مشهد تقديم قرابين، يظهر فيه المتوفى أمام مائدة قرابين، ويحمل نقوشًا بالهيروغليفية.
– **متحف ملوي بالمنيا**: لوحة جنائزية من الحجر الجيري من عصر الدولة الحديثة، تتضمن مشهدًا لصاحب المقبرة أمام أوزير، وأسفلها مشهد لأربع سيدات.
– **متحف سوهاج**: لوحة مستطيلة من الحجر الجيري من عصر الدولة الحديثة، تضم ثلاثة مناظر، يتصدرها أوزير داخل ناووس وعلى جانبيه شخصان في وضع التعبد، يلي ذلك مناظر تعبد أخرى، ثم مشهد لأربع سيدات ورجل.
## ثانيًا: اليوم العالمي للشطرنج (20 يوليو)
في 20 يوليو من كل عام يُحتفل باليوم العالمي للشطرنج، إحياءً لذكرى تأسيس الاتحاد الدولي للشطرنج (FIDE)، الجهة الدولية المسؤولة عن إدارة شؤون اللعبة وتنظيم فعالياتها. وتُقام على مدار اليوم فعاليات متعددة في دول مختلفة، تعكس حضور الشطرنج كأداة للتعلم وبناء التفكير.
ويُعد الشطرنج من أعرق الألعاب الفكرية التي تجمع بين المتعة والتحدي الذهني. فمن خلاله يتدرب اللاعب على التركيز، والتخطيط الاستراتيجي، وحساب الاحتمالات، واتخاذ القرار تحت ضغط الوقت. كما تُسهم ممارسة اللعبة في تطوير القدرة على حل المشكلات وتنمية الوعي بالنمط والقراءة الاستباقية للحركات.
وبجانب الشطرنج بصيغته المعروفة عالميًا، تؤكد مقتنيات المتاحف المصرية أن الحضارة المصرية القديمة عرفت الألعاب اللوحية منذ آلاف السنين. وتعرض المتاحف قطعًا توثق تطور وسائل الترفيه والتعلم، وتبرز تداخل الفن مع الوظيفة؛ إذ لم تكن القطعة مجرد لعبة، بل كانت أيضًا تعبيرًا بصريًا عن ذوق عصرها وما يحمله من رموز.
ومن أبرز «القطع المميزة» الخاصة بمناسبة اليوم العالمي للشطرنج:
– **متحف الفن الإسلامي بباب اللوق**: صندوق لعبتي الطاولة والشطرنج، مطعمًا بالعاج والعظم ويرجع إلى العصر العثماني.
– **متحف قصر محمد علي بالمنيل**: منضدة خشبية سطحها مربع من الرخام مصمم على هيئة رقعة شطرنج، مع عمود أسطواني مزين زخرفيًا في جزئه السفلي، وتستند المنضدة إلى ثلاث أرجل مزخرفة.
– **متحف ركن فاروق بحلوان**: مجموعة شطرنج من الخشب المطعم بالعاج والصدف، تصميمها مستوحى من عناصر مصر القديمة، وفيها رقعة مقسمة إلى صفوف وأعمدة من المربعات؛ بعضها أبيض دون زخارف وبعضها أسود مزخرف بزهور اللوتس، ويضم الصندوق درجين لحفظ قطع اللعب.
– **متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية**: مجموعة شطرنج من 32 قطعة ذهبية مموهة بالمينا، مُصنعة على هيئة تماثيل لأشخاص وحيوانات ومرصعة بأحجار الماس، وتظهر تفاصيل زخرفية دقيقة مع واجهة زجاجية وأشكال تجمع بين العنصر البشري والمعماري.
– **متحف الغردقة بالبحر الأحمر**: لعبة «السنت» مصنوعة من الحجر الجيري والفيانس الأزرق، مقسمة إلى مربعات، ويصاحبها ثماني قطع. وتُعد «السنت» من أشهر الألعاب اللوحية في مصر القديمة، وتعتمد على التخطيط والتفكير الاستراتيجي.
وتجسد هذه المجموعة—في شقها الأول الخاص بحجر رشيد—حكاية الكتابة وتفسير النصوص وحفظ المعرفة، وفي شقها الثاني الخاص بالشطرنج—حكاية العقل في صورة لعبة تجمع بين قوانين ثابتة وذكاء متغير. وبذلك تقدم «القطع المميزة لشهر يوليو» قراءة ممتعة للتاريخ: من الحروف التي فكّت رموز حضارة بأكملها، إلى الرقعة التي تُعلم التفكير وتُشعل التحدي بين خصمين وجمهورًا يتعلم من خلال المتحف.

التعليقات