أكد الدكتور أشرف سنجر، خبير العلاقات والاتصالات الدولية، أن النفوذ الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة ما زال قائمًا عبر قنوات متعددة، أبرزها جماعات الضغط ومنظمات التأثير السياسية، لكن هذا النفوذ لم يعد بنفس الحدة أو القدرة على التحكم التي تميزت في فترات سابقة. ووفقًا لسنجر، فإن التحول يرتبط بتغيرات متسارعة في البيئة السياسية الأمريكية وتبدل أولويات صناع القرار، إضافة إلى اتساع النقاش داخل واشنطن حول حدود تأثير المصالح الخارجية على القرار السيادي.
وأوضح أن جماعات الضغط—وخاصة منظمة «إيباك»—قدمت خلال سنوات طويلة دعمًا ملموسًا للمواقف الإسرائيلية داخل المؤسسات الأمريكية، سواء من خلال الضغط على أعضاء الكونجرس، أو عبر المساهمة في تمويل حملات انتخابية، أو عبر تنظيم فعاليات وحملات رأي تستهدف تشكيل مواقف السياسيين. ومع ذلك، يشير سنجر إلى أن المشهد الأمريكي بدأ يميل تدريجيًا نحو نموذج مختلف؛ إذ يبرز جيل جديد من السياسيين أكثر ميلاً لربط السياسة الخارجية مباشرة بأولويات الداخل الأمريكي، ومطالبات قواعدهم الانتخابية.
ويرى سنجر أن جزءًا من التغير يتمثل في تراجع اعتماد بعض صناع القرار على «القوة التنظيمية» لجماعات الضغط التقليدية، لصالح حسابات أكثر انضباطًا مرتبطة بالتوازنات السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة. كما أشار إلى أن هناك مطالبات متزايدة—سواء من داخل الحزبين أو من أوساط فكرية وبرلمانية—بضرورة الفصل بين المصالح الأمريكية والمواقف الإسرائيلية، بما يضمن أن تكون القرارات الخارجية منسجمة مع استراتيجية الأمن القومي بدلًا من أن تتبع خطوط تأثير خارجية.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية باتت أكثر حرصًا على توطين القرار في إطار حسابات استراتيجية تخدم المصالح المباشرة، بما في ذلك اعتبارات الاقتصاد والتهديدات الأمنية الإقليمية وملف الاستقرار في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، أكد أن اختلاف توازن القوى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بعض الملفات يعكس حقيقة جوهرية: حتى مع وجود تحالف قوي، لا يعني ذلك تطابق الرؤى والأهداف تفصيليًا، وأن واشنطن قد تراجع خياراتها وفق ما تراه يخدم مصالحها أولًا.
ولتعميق الفكرة، يشير سنجر إلى أن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتأثر أيضًا بمتغيرات داخلية أمريكية مثل ارتفاع الحساسية تجاه تكلفة التدخلات الخارجية، واتساع استخدام أدوات الضغط المضاد داخل النظام السياسي، إضافة إلى تغيّر ملامح الرأي العام حول قضايا بعينها. كما أن المنافسة بين تيارات السياسة الخارجية داخل واشنطن—من مؤيدين لتشدد أكبر ومنادين بقدر أعلى من المرونة—تسهم في خلق هامش تفاوض أوسع أمام صناع القرار لتحديد سقف الالتزام والتحالف.
واختتم سنجر تصريحاته بالقول إن السياسة الأمريكية تمر بمرحلة إعادة تقييم لتحالفاتها التقليدية، وإن موازين التأثير داخل واشنطن تتحرك تدريجيًا. ويرجح أن ينعكس هذا التحول في الفترة المقبلة على شكل العلاقة مع إسرائيل، خصوصًا في الملفات الإقليمية والدولية التي تتطلب مراعاة المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى، سواء من حيث إدارة المخاطر الأمنية، أو صياغة الاستراتيجيات، أو تحديد الأولويات على أجندة البيت الأبيض ودوائر صنع القرار.
وفي المحصلة، لا يعني ذلك زوال النفوذ الإسرائيلي أو توقف جماعات الضغط عن لعب دورها، بل يشير إلى إعادة تعريف لطبيعة التأثير: من نفوذ يفرض مسار القرار إلى نفوذ يعمل ضمن إطار أكثر توازنًا، تتحكم فيه الحسابات الأمريكية الداخلية والأمنية والسياسية قبل أي اعتبارات أخرى.

التعليقات