شارك الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، افتراضياً في الجلسة الوزارية رفيعة المستوى ضمن فعاليات النسخة الرابعة من قمة قطاع ريادة الأعمال المصري 2026 (SDR Summit)، التي تنظمها شركة “انطلاق” تحت شعار “البيانات × الابتكار: إعادة تصور مشهد ريادة الأعمال في مصر”. وخلال الجلسة، شارك كل من الدكتور أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، والدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، والمهندس خالد هاشم وزير الصناعة، في إطار بحث سبل تسريع نمو الشركات الناشئة وتعزيز جاذبية الاستثمار.
وأكد الوزير أن ريادة الأعمال باتت أحد المحركات الأساسية لتحسين كفاءة وتنافسية الخدمات، لافتاً إلى أن الأفكار الجديدة ونماذج الأعمال المتطورة ساهمت خلال السنوات الماضية في إحداث تأثيرات ملموسة بعدة قطاعات، من بينها النقل الجماعي وتوصيل المنتجات والخدمات إلى المستهلكين، إلى جانب القطاع المالي بمكوناته المصرفية وغير المصرفية، فضلاً عن قطاعات اقتصادية أخرى. كما شدد على أن ريادة الأعمال لا ترتبط بمجال بعينه، بل تمتد لتشمل أنشطة متعددة مثل التجارة الداخلية والصناعة والتجارة الخارجية والتصدير والاستثمار والقطاع المالي والنقل والخدمات.
وخلال حديثه، استعرض الدكتور محمد فريد ملامح المسار الذي قطعته مصر في بناء منظومة ريادة الأعمال، مشيراً إلى توسع الاهتمام منذ عامي 2004 و2005 عبر صناديق الاستثمار وتبلور توجهات للاستثمار المباشر وصناديق الاستثمار في الشركات الناشئة. وأوضح أن المنظومة تطورت لاحقاً عبر إضافة المزيد من الصناديق وحاضنات ومسرعات الأعمال الداعمة للمشروعات الصغيرة والشركات الناشئة، إلى جانب توسيع قنوات التمويل.
تحسين الإطار التنظيمي للشركات الناشئة
وفي جانب الإصلاحات التشريعية والتنظيمية، أوضح الوزير أن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية تعمل على إدخال تعديلات على اللائحة التنفيذية لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981. وتهدف هذه التعديلات إلى مواكبة التطورات التي يشهدها الاستثمار في الشركات الناشئة، بما يساهم في وضع إطار أكثر اتساقاً لتنظيم التعامل مع اتفاقيات المساهمين.
كما تتضمن التعديلات تنظيم عقود الدين القابلة للتحويل إلى أسهم (Convertible Notes)، إلى جانب إنشاء سجل خاص لهذه العقود، بما يرفع مستوى الوضوح ويمنح مرونة أكبر للمستثمرين والشركات الناشئة خلال مراحل التمويل المختلفة. وأشار الوزير كذلك إلى تنظيم آليات تقييم زيادات رؤوس الأموال عبر شركات متخصصة، مع إتاحة سجل لها، بما يساعد على تسهيل الإجراءات ويعزز الثقة في عمليات التمويل والاستثمار.
وتطرق الدكتور محمد فريد إلى أهمية الحفاظ على استمرارية الشركات وعدم فقدان تاريخها التجاري عند تغيرات قد تطرأ على هيكلها أو ملكيتها، بما في ذلك المنشآت الفردية. وذكر أن ذلك يتم عبر التنسيق مع وزارة التموين والتجارة الداخلية فيما يخص السجل التجاري، والتنسيق مع الهيئة العامة للرقابة المالية بشأن السجل المركزي لزيادات رؤوس الأموال.
TradeTech Sandbox لتمكين حلول التجارة القائمة على البيانات
وتناول الوزير أيضاً توجه الوزارة لتفعيل “TradeTech Sandbox”، باعتبارها بيئة تنظيمية تجريبية مخصصة للحلول التكنولوجية المبتكرة في مجال التجارة. وأوضح أن الهدف هو مساعدة رواد الأعمال والشركات الناشئة على تطوير حلول تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والاستفادة من البيانات المتاحة في مجال التجارة الخارجية.
وأكد أن الاستفادة من البيانات يمكن أن تساعد في تحديد الفرص التصديرية بدقة أكبر، ورصد اتجاهات التجارة الدولية، وتوفير معلومات أكثر تفصيلاً حول الأسواق الخارجية، بما يدعم اتخاذ القرار لدى الشركات ويُسهل عليها الانتقال من الأفكار إلى نماذج أعمال قابلة للتوسع.
كما أشار الوزير إلى تأسيس صندوق صناعي كصندوق فرعي تابع للصندوق السيادي، باعتباره خطوة تدعم توجهات التصنيع وتعزيز سلاسل القيمة بما ينعكس على فرص الاستثمار وخلق قيمة مضافة.
تمويل المراحل المبكرة وضرورة التوسع الإقليمي
وفيما يتعلق بمسار التمويل، أوضح الدكتور محمد فريد أن منظومة تمويل الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة تضم بالفعل عدداً من الشركات والمستثمرين، حيث يبدأ التمويل من مرحلة الفكرة، ثم يصل المشروع إلى مرحلة “Traction” وتحقيق مبيعات، قبل الانتقال إلى مراحل نمو أكبر. وأكد أن بعض الشركات ذات معدلات النمو المرتفعة تحتاج إلى التوسع خارج السوق المصرية بالتوازي مع استمرار نشاطها محلياً، كي تتمكن من الوصول إلى الحجم المطلوب وتعزيز قدرتها التنافسية إقليمياً ودولياً.
التعامل مع المخاطر بوصفها جزءاً طبيعياً من الابتكار
وشدد الوزير على أن ريادة الأعمال والاستثمار في الشركات الناشئة بطبيعتهما يتضمنان قدراً من المخاطر، وبالتالي يجب أن تتقبل السياسات والقرارات التمويلية والتنظيمية احتمالية عدم نجاح بعض الشركات. وأوضح أن فشل بعض التجارب لا يعني بالضرورة انهيار منظومة ريادة الأعمال ككل، مؤكداً ضرورة دعم الأفكار الجديدة وتشجيع التجربة والتعلم.
كما أشار إلى أهمية التعامل مع الشركات التي لم تحقق نتائج مشابهة للشركات الأكثر نجاحاً، باعتبار أن “التجربة والخطأ” جزء أساسي من بناء منظومة قوية لريادة الأعمال وتراكم الخبرة وتحسين نماذج التمويل.
إصلاحات تمويلية متنوعة لبناء سوق رأس مال أكثر شمولاً
ولفت الدكتور محمد فريد إلى أن الحكومة نفذت خلال الفترة الماضية مجموعة من الإصلاحات التي تستهدف بناء منظومة أشمل لتمويل الشركات الناشئة. ومن أبرز هذه الإصلاحات وضع معايير لتقييم الشركات الناشئة، وتنظيم التمويل الجماعي (Crowdfunding)، وتطوير صناديق رأس المال المخاطر (Venture Capital).
وأضاف أن الإصلاحات تضمنت أيضاً إصدار تراخيص جديدة لشركات تعمل في مجالات تمويلية مبتكرة، من بينها التمويل الجماعي في القطاع العقاري. وأكد أن هذه الخطوات تأتي ضمن توجه نحو بناء سوق تمويل متنوع يتيح للشركات الناشئة الوصول إلى مصادر مختلفة من رأس المال وفقاً لمرحلة نموها واحتياجاتها التمويلية.
الشباب والذكاء الاصطناعي كرافعة للابتكار وخدمة الاقتصاد
وتحدث الوزير عن دور الشباب بوصفه أحد أهم عناصر قوة منظومة ريادة الأعمال في مصر، لافتاً إلى أن قاعدة كبيرة من الشباب تمتلك القدرة على توظيف التحليل والبرمجيات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتطوير حلول مبتكرة يمكن تطبيقها في مختلف القطاعات الاقتصادية، وليس فقط في المجالات المالية والمصرفية وغير المصرفية.
وأوضح أن توظيف هذه الحلول في قطاعات مثل النقل والخدمات قد ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين عبر تحسين الكفاءة ورفع جودة الخدمات وتقليل التكلفة والوقت. كما ربط دعم ريادة الأعمال بأهداف الدولة في تحسين كفاءة الإنتاج والاقتصاد وزيادة معدلات التشغيل.
تعزيز التعاون والاستفادة من المبادرات القائمة
وفي ختام كلمته، أكد الدكتور محمد فريد أهمية استمرار التعاون مع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في هذا الملف، مشيراً إلى الاستفادة من المبادرات القائمة مثل “فكرتك شركتك” ومركز ريادة الأعمال. كما شدد على ضرورة زيادة الوعي بمفهوم ريادة الأعمال، وأهمية إعداد خطط الأعمال وتطوير الأفكار القابلة للتحول إلى مشروعات وشركات قادرة على النمو، بما يضمن استدامة التوسع ورفع مساهمة الشركات الناشئة في الاقتصاد الوطني.
وتعكس مشاركة الوزارة في القمة توجهاً نحو ربط “البيانات” بـ“الابتكار” من خلال إصلاحات تشريعية وتنظيمية، وتجارب تنظيمية تجريبية مثل TradeTech Sandbox، ومسارات تمويل متنوعة، بهدف تمكين الشركات الناشئة من صناعة أثر اقتصادي مستدام وخلق فرص عمل جديدة.

التعليقات