تواصل وزارة التربية والتعليم العمل على الحد من ظاهرة الدروس الخصوصية والسناتر، باعتبارها من أبرز التحديات التي تؤثر في عدالة الفرص التعليمية وتزيد الأعباء المالية على الأسر. لكن الخبراء يؤكدون أن المواجهة لا يمكن أن تتحقق عبر الوزارة وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين تحسين السياسات التعليمية، وتنظيم البيئة المدرسية، والتزام المجتمع بدوره الرقابي والتوعوي.
لماذا لا تستطيع الوزارة وحدها القضاء على الدروس الخصوصية؟
أوضح الكاتب الصحفي رفعت فياض، المتخصص في ملف التعليم، أن القضاء التام على الدروس الخصوصية لا يقع على عاتق وزارة التربية والتعليم وحدها، لأن الظاهرة ترتبط بعوامل أوسع من مجرد قرار إداري. من بينها توقعات الطلاب وأولياء الأمور، وارتفاع الطلب على “التدريب” خارج المدرسة، وتفاوت الاستيعاب بين الطلاب داخل الفصول.
وأكد فياض أن عودة الطلاب للمدارس خلال العامين الماضيين ساهمت في تقليص الوقت المتاح أمامهم للذهاب إلى السناتر، بما يعادل نحو 50%، وهو مؤشر يرتبط بشكل مباشر بسرعة انتقال جزء من وقت الطالب إلى داخل المدرسة بدلًا من قضائه في أنشطة خصوصية مدفوعة.
استمرار اليوم الدراسي عامل حاسم في تقليل وقت السناتر
يشير رفعت فياض إلى أن استمرار اليوم الدراسي حتى الساعة الثانية أو الثالثة، وفق ما تتيحه منظومة المدرسة، كان له أثر واضح في تقليل ساعات الفراغ التي قد يستغلها الطالب في الدروس الخصوصية. فكلما زادت ساعات التعلم الفعلية داخل المدرسة، تقلّ المساحة الزمنية التي كانت تسمح بالاعتماد على السناتر كبديل عن المنهج أو كتعزيز له.
كما أدى تمديد اليوم الدراسي إلى أن يكون جزء أكبر من اليوم الدراسي موجهاً للشرح والممارسة داخل المؤسسة التعليمية، بدلًا من انتقال جزء كبير من التعلم إلى مراكز خاصة أو مجموعات مراجعة مدفوعة.
عودة الطلاب للمدارس تقلل “الطلب” وتضعف تأثير السوق الخاصة
يرى المتخصص في ملف التعليم أن استمرار انتظام الطلاب في المدارس لا يقتصر على تقليل الوقت، بل ينعكس كذلك على سلوك الأسر والطلاب. فعندما يشعر ولي الأمر أن المدرسة تقدم محتوى كافياً وأن الطالب يملك وقتاً كافياً للمراجعة داخل اليوم الدراسي، تقل الحاجة إلى دفع تكاليف إضافية للسناتر.
وتزداد أهمية هذا العامل عندما تُدعم المدرسة ببرامج متابعة داخلية، وتقديم دعم تعليمي للفئات الأكثر احتياجاً داخل الفصل أو من خلال حصص مساندة منظمة، بما يقلل الفجوة التي تدفع بعض الأسر للبحث عن بدائل خارجية.
مواجهة الظاهرة تتطلب تعاون المجتمع مع الوزارة
شدد رفعت فياض على أن مواجهة الدروس الخصوصية مسؤولية مجتمعية مشتركة. فالوزارة قد تُطلق إجراءات تنظيمية وتعمل على تطوير التعليم وتحسين اليوم الدراسي، لكن استمرار التغيير يحتاج أيضاً إلى تعاون المجتمع، عبر ترشيد الطلب على السناتر، وتعزيز الثقة في قدرة المدرسة على أداء دورها التعليمي.
ويشمل ذلك دور وسائل الإعلام في توعية الأسر بمخاطر الاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية، وتفعيل دور المجالس الأهلية والمدارس في نشر ثقافة “الاستفادة من المدرسة” بدلًا من اعتبار السناتر شرطاً للنجاح. كذلك، يسهم احترام مواعيد الدراسة والانضباط داخل المدرسة في الحد من ظاهرة التحويل المستمر للطالب إلى خارج اليوم الدراسي.
كيف يمكن دعم استمرار نجاح تقليص وقت السناتر؟
لإنجاح مرحلة الحد من السناتر بصورة مستمرة، اقترح الخبراء أن تتكامل عدة عناصر:
- تحسين جودة التعلم داخل المدرسة عبر تنظيم الحصص ورفع فاعلية الشرح والتفاعل مع الطلاب.
- متابعة مستويات الطلاب مبكراً لتقديم دعم إضافي داخل النظام المدرسي بدلًا من سد الفجوات عبر الدروس الخصوصية.
- إدارة الوقت الدراسي بكفاءة للحفاظ على وقت تعلم ممتد داخل المدرسة يقلل ساعات الفراغ.
- تعزيز الشفافية في التعامل مع أي ظواهر مرتبطة بالسناتر بما يضمن عدم تحولها إلى استثمار غير منضبط على حساب الطلاب.
- مشاركة الأسرة في دعم التعلم المنزلي المنظم عبر المراجعة الذاتية والواجبات التي يدعمها المعلم، دون أن تتحول إلى اعتماد كامل على مراكز خارجية.
الخلاصة
تلخص رؤية رفعت فياض في أن استمرار انتظام الطلاب في المدارس وتطويل اليوم الدراسي كان من العوامل التي ساهمت خلال الفترة الماضية في تقليص الوقت المتاح للدروس الخصوصية والسناتر بنحو 50%. وفي الوقت نفسه، تؤكد القراءة الأوسع للمشهد أن مواجهة الظاهرة لا تنجح إلا بتعاون الوزارة والمجتمع معاً: تطوير المدرسة، وضبط توقعات الأسر، وتحويل المنظومة نحو تعلم أكثر فعالية داخل الفصل، بما يحد من الاعتماد الخارجي ويعزز العدالة التعليمية.

التعليقات