كشف اللواء خالد الشاذلي، الخبير الأمني ومساعد وزير الداخلية الأسبق، عن تفاصيل كواليس خطة استثنائية نجحت في إنهاء ظاهرة سرقة السيارات على الطرق السريعة بمحافظة أسوان، وصولًا إلى إسقاط أكبر تاجر مخدرات بالمحافظة عقب أحداث فض رابعة. وأوضح الشاذلي أن نجاح الخطة لم يرتكز على القوة وحدها، بل على الدهاء النفسي، وحسابات ميدانية دقيقة، والتعامل مع المتغيرات اللحظية بطريقة تتجاوز النمط التقليدي.
وفي سياق الحديث خلال لقائه مع الإعلامية نبيلة البدوي، ببرنامج “خارج النص” المذاع على قناة “الشمس”، أشار الشاذلي إلى أن تكليفه جاء بشكل مفاجئ لانتشال المشهد الأمني في أسوان وتولّي مباحث المحافظة بعد اعتداءات العناصر الإرهابية على مديرية الأمن والمباني الحكومية. ورأى أن أولويات المرحلة تمثلت في استعادة الاستقرار عبر الاعتماد على البعد القبلي والعلاقات الميدانية، بما يتيح تطهير المحافظة من البؤر الإجرامية والمسلحة قبل الانتقال إلى مواجهة جذور الجريمة المنظمة المتمثلة في قطع الطرق وسرقة السيارات بالإكراه.
وأضاف الشاذلي أن جزءًا من نجاحه جاء بعد تعثر ضبط أحد أخطر المتهمين، حيث كان متحصنًا بقمم الجبال. بدلًا من تصعيد الملاحقة بقوات كبيرة قد تُنذر المتهم وتدفعه للتمترس أو الاستمرار في الاستفزاز، اتخذ قرار التحرك بنهج مختلف: توجه في الثانية صباحًا برفقة أمين شرطة واحد فقط إلى المخبأ الجبلي لأكبر تاجر مخدرات بالمنطقة. وركّز خلال التحرك على عقيدته الإيمانية وثباته الميداني، مع مراعاة عنصر المباغتة وتقليل الضجيج الذي قد يرفع منسوب الحذر لدى المتهمين.
وتابع الشاذلي أن اللقاء تضمن حوارًا نفسيًا محسوبًا نجح في إقناع تاجر المخدرات بأن الهدف الحقيقي هو التعاون والمساعدة، مقابل مبلغ مالي محدد؛ حيث طلب منه مقابلًا يُقدَّر بـ50 ألف جنيه شهريًا، مع إرجاء استلام أول دفعة للشهر التالي لزرع الثقة وخلق مساحة زمنية لكسر يقظة المتهم وتوجيهه لاتخاذ خطوات تخدم الخطة دون أن يدرك نهايتها.
وأوضح أن الشاذلي وضع شرطًا أوليًا لتعزيز التفاهم بين الطرفين: الحصول على المتهم الذي يقود عمليات سرقة السيارات. وبالفعل، وبعد أربعة أيام، أجرى التاجر اتصالًا ليخبره بوجود السارق مكبلًا داخل الجبل، وهو ما أتاح تنفيذ القبض عليه وإنهاء ظاهرة سرقة الطرق بالكامل وفق ما ذكره الشاذلي.
وأشار إلى أنه عقب مرور أربعة أيام أخرى، تم تنفيذ ضربة أمنية مفاجئة لأوكار تاجر المخدرات. وتمت السيطرة عليه وضبطه بعد إطلاق نيران تحذيرية، وبذلك تم إنهاء خطورته الإجرامية وإحالته إلى النيابة العامة قبل أن يتقاضى أي مبالغ مالية، في رسالة واضحة بأن الخداع النفسي قد يكون أحيانًا طريقًا أسرع لوقف التهديد وحماية المواطنين.
ولتعميق الصورة، شدد الشاذلي على أن إدارة الصدمات النفسية لدى العناصر الخطرة ليست مجرد كلمة عامة؛ بل هي مهارة تتطلب قراءة سريعة للسلوك، وفهم دوافع الخصم، وإيجاد نقطة توازن بين الثقة الظاهرية والهدف الحقيقي. كما أكد أن سرعة البديهة والقدرة على التعامل مع التوتر تحت الضغط تُعد من أقوى الأسلحة في عمل البحث الجنائي، لأنها تعزز هيبة القانون وتحمي الأرواح والممتلكات وتقلل من فرص التصعيد غير المحسوب.
وتلخص الحكاية—كما يرويها الشاذلي—في أن مواجهة الجريمة المنظمة لا تعتمد دائمًا على عدد القوات، بل على جودة القرار في اللحظة المناسبة: متى نتحرك؟ وبمن؟ وكيف نكسر شبكة الثقة لدى الخصم؟ وكيف نحوّل الدوافع المالية والمخاوف داخل عقل المتهم إلى مسار يؤدي إلى القبض عليه وإنهاء نشاطه سريعًا، مع تقليل الخسائر والتهديد المباشر للمواطنين.

التعليقات