أصبحت الجداريات والرسومات الفنية على جدران الشوارع والميادين من أكثر المشاهد التي تلفت الانتباه لدى المارة، خصوصًا مع تنامي مبادرات شبابية تسعى لتحويل المساحات العامة إلى لوحات تعكس الإبداع وتقدم رسائل مجتمعية أو تعرّف بالهوية المحلية. هذا النوع من الأعمال قد يضيف قيمة جمالية ويعزز الانتماء، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات مهمة حول الحدود القانونية والتنظيمية: من يملك حق الموافقة على هذه الرسومات؟ وهل يكفي امتلاك موهبة وأدوات رسم لبدء العمل على أي حائط؟
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور محمد سعد، أستاذ الديكور بقسم المسرح بجامعة العاصمة، أن التعامل مع الأماكن العامة يختلف جذريًا عن التعامل مع الأماكن الخاصة؛ لأن المكان العام ملك للمجتمع بأكمله، وبالتالي لا يجوز أن تتحكم فيه الأذواق الفردية أو تتخذ فيه القرارات بشكل ارتجالي. فالرسم في الشارع لا يشاهد من صاحب العمل وحده، بل يراه جميع أفراد المجتمع، بما فيهم الأطفال، كما يؤثر في المشهد البصري للمنطقة كلها.
المكان العام للجميع وليس مساحة لتطبيق الذوق الشخصي
يُلفت الدكتور إلى أن فرض تصميم أو لوحة فنية على مكان عام دون الرجوع للجهات المختصة أمر غير مقبول، لأن العمل الفني يصبح جزءًا من البيئة اليومية للناس. لذلك، فإن تصميم الجدران في الميادين أو على واجهات المباني لا ينبغي أن يعتمد على رغبة فردية، بل على رؤية تنظيمية تراعي طبيعة المكان وتناسقه مع محيطه.
هل يستطيع أي شخص الرسم على حائط في الشارع؟
يرى أستاذ الديكور أن وجود موهبة فنية أو أدوات رسم لا يمنح تلقائيًا الحق في تنفيذ أعمال على جدران الأماكن العامة. ويشدد على ضرورة وجود سيطرة ومراجعة، على غرار وجود رقابة على المصنفات الفنية. فليس كل من يملك فرشًا وألوانًا يقرر أن يرسم في مكان عام دون موافقة أو إطار عمل واضح.
ويؤكد أن هدف الضوابط ليس إعاقة الفن أو تقليل فرص الموهوبين، بل ضمان أن تكون الأعمال المنفذة متوافقة مع طبيعة المكان وشكله العام والهوية البصرية للمنطقة. فالمعايير التنظيمية تساعد على تحويل موهبة الفنان إلى مشروع يخدم المجتمع بدلًا من أن يتحول إلى تشويه للمشهد العام.
التنسيق الحضاري ودوره في اختيار التصميمات
تظهر أهمية التنسيق الحضاري في تحديد ما يصلح عرضه على الواجهات والمساحات المكشوفة للمارة. ووفقًا للدكتور محمد سعد، فإن الجهات المختصة—ومنها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري—تلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على الصورة البصرية للمناطق المختلفة.
ويذكر أن اختيار التصميمات المناسبة للمُدن والميادين يحتاج إلى لجان تضم متخصصين، بحيث يتم تقييم العمل من حيث الانسجام البصري، ومدى ملاءمته لسياق المنطقة، واحترام الطابع المعماري والحضاري للمكان. وبهذا الشكل، تصبح الجداريات جزءًا من خطة تطوير حضري لا مجرد مبادرة فردية.
دعم مواهب الشباب مع الالتزام بالقواعد
يشدد أستاذ الديكور على ضرورة تشجيع الشباب والفنانين أصحاب المبادرات، لأن طاقاتهم قد تُحوَّل إلى أعمال فنية هادفة ترفع جودة المشهد العام وتعزز القيم الإيجابية. لكن الفرق الأساسي يكمن في طريقة التنفيذ: المشكلة لا تتعلق بفكرة الرسم نفسها، بل بتنفيذ الأعمال دون معرفة الجهة المسؤولة عن المكان أو الحصول على التصاريح اللازمة.
ومن هنا، تبرز قاعدة واضحة: الفنان قد يقدم عملاً جميلاً ورسالة مؤثرة، ومع ذلك لا يزال مطلوبًا أن يكون لديه موافقة رسمية لأن الحائط أو الواجهة ليست ملكًا لفرد واحد.
الموافقة شرط أساسي قبل تنفيذ أي عمل فني
قبل البدء في تنفيذ أي تصميم على جدران عامة، من الضروري البدء بمعرفة الجهة المسؤولة عن الموقع—مثل الجهات المحلية المعنية بالمرافق أو إدارة الأحياء أو جهات التخطيط والتنسيق—ثم استخراج الموافقات قبل تنفيذ العمل. كما يُراعى عادةً تحديد مكان التنفيذ بدقة، وطبيعة الألوان والمواد المستخدمة، وآلية حماية السطح أو عدم الإضرار بالمباني أو المعالم.
ويؤكد الدكتور أن الرغبة في تجميل الشوارع لا تلغي أهمية الالتزام بالقواعد، خصوصًا في المناطق ذات القيمة التاريخية أو الحضارية أو المعمارية، حيث يلزم الحفاظ على الطابع العام وعدم العبث بالمظهر المميز للمكان.
الحفاظ على الهوية البصرية للمناطق
يشير الدكتور محمد سعد إلى أن تصميم أي عمل على جدران الشارع يجب أن يأخذ في الاعتبار خصائص المنطقة المحيطة: الشكل العام للمبنى، ونوع الواجهات، ونمط الألوان المتبع في محيط المكان. فاختيار تصميم غير مناسب قد يقلب هدف التحسين إلى تأثير سلبي على الهوية البصرية أو على الانسجام المعماري.
كما أن دراسة تفاصيل مثل درجة الألوان، وترتيب العناصر البصرية، ومكان الرسم بالنسبة للطرق والأماكن العامة يمكن أن يضمن أن الجداريات تبدو جزءًا أصيلاً من المشهد وليست عنصرًا مفروضًا عليه.
كيف تتحول المبادرة إلى مشروع منظم وفاعل؟
يرى أستاذ الديكور أن أفضل طريق لدعم الفن والمواهب الشبابية هو توجيه هذه الطاقات نحو مشروعات فنية مخططة وهادفة يتم تنفيذها بعد الحصول على موافقات الجهات المختصة. وبذلك يتحقق توازن بين حرية الإبداع وبين الحفاظ على الشكل الحضاري للمدينة.
الخلاصة: الفن مرحب به، لكن المكان العام يحتاج إلى احترام الإجراءات
يظل الرسم على جدران الأماكن العامة فرصة إيجابية لتجميل المدن وتعزيز الرسائل المجتمعية، بشرط أن يتم وفق إطار تنظيمي واضح. فالأماكن العامة ليست مساحة للاستخدام الفردي، بل مسؤولية مشتركة تتطلب موافقات وضوابط تحمي الهوية البصرية للمناطق وتضمن أن تكون الجداريات إضافة حقيقية للمشهد العام لا مجرد تدخل عابر.

التعليقات