التخطي إلى المحتوى

كشف الدكتور سعد عطا، دكتور الفيزياء الفلكية بقسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، تفاصيل بحث علمي مصري يسلّط الضوء على أحد أكثر الظواهر نشاطًا في الكون، عبر دراسة نوع من نوى المجرات النشطة يُعرف باسم «البلازارات»، ومن أبرز الأجسام التي ركّز عليها البحث الجسم الفلكي CC4-5-4.3.

وأوضح الدكتور عطا أن أهمية البحث لا تقتصر على تبسيط مفاهيم الفيزياء الفلكية، بل تمتد أيضًا إلى تبسيط الثقافة الفلكية للجمهور، لافتًا إلى أن مصر ارتبط اسمها منذ آلاف السنين بالاهتمام بعلم الفلك والهندسة والطب والصناعة والزراعة، بما يعكس امتدادًا تاريخيًا لميل الإنسان المصري لفهم الظواهر الطبيعية.

ويتمحور البحث حول «النواة المجرية النشطة»، وهي منطقة شديدة السطوع تقع في مركز بعض المجرات، وتتميّز بوجود ثقب أسود فائق الكتلة في قلبها. وبيّن الدكتور عطا أن جزءًا كبيرًا من الطاقة الهائلة التي نلاحظها لا ينشأ من الثقب الأسود نفسه فقط، بل ينتج أساسًا عن تراكم المادة حوله، مكوِّنًا ما يُعرف بـ«قرص التراكم». ومع سقوط المادة وتفاعلها ضمن ظروف شديدة الحرارة والكثافة، تتولد انبعاثات قوية تؤثر في محيط النواة وتنعكس على سطوع الجسم عبر الطيف المرصود.

وأضاف أن البلازارات تتميز بإطلاق نفاثات من مادة مشحونة تتحرك بسرعة قريبة جدًا من سرعة الضوء، لذلك تُسمى «النفاثات النسبية». وتلعب زاوية توجيه هذه النفاثات دورًا حاسمًا في الرصد؛ ففي حالة البلازارات قد تكون النفاثات موجهة في اتجاه قريب من خط نظر الراصد على الأرض، مما يجعلها تبدو أكثر سطوعًا وتباينًا مقارنة بغيرها.

وبحسب ما ذكر الدكتور عطا، شارك فريق الرصد في تنفيذ الدراسة عبر التليسكوب القطامية، حيث بدأت سلسلة عمليات الرصد بتعاون دولي واسع منذ عام 2004، بمشاركة أكثر من دولة وأكثر من جامعة، ثم استُكملت الجوانب الخاصة بالرصد المصري خلال العامين الأخيرين. وأشار إلى أن البيانات التي جمعها التليسكوب المصري أسهمت في رصد التغيرات الضوئية وظهور مؤشرات في العمليات الفيزيائية المصاحبة للنشاط، وهو ما دعم فهم طبيعة التغيرات في الانبعاثات المرتبطة بالثقوب السوداء.

كما شدد الدكتور سعد عطا على أن نجاح الدراسة لم يكن مرتبطًا بالتليسكوب وحده، بل أيضًا بملاءمة المناخ المصري لظروف الرصد الفلكي، بما يعزز جودة القياسات ويقلل من تأثير الاضطرابات الجوية على نتائج القياس.

ومن الناحية العلمية، أوضح أن فرق الرصد العالمية تعمل بنظام تكاملي؛ إذ يرصد كل فريق الجسم من موقع مختلف للحصول على بيانات أكثر دقة واستمرارية، ثم تُجمع البيانات وتُحلل للوصول إلى صورة أوضح للتغيرات الضوئية والانبعاثات المرتبطة بالنواة المجرية النشطة. ويساعد هذا النهج على فهم أفضل لآليات عمل الأجسام شديدة النشاط مثل البلازارات، وكيف تتغير سطوعها وانبعاثاتها مع مرور الوقت.

وبإضافة هذا النوع من الأبحاث إلى الجهود العلمية المستمرة، يصبح بالإمكان دعم فهم فيزياء الثقوب السوداء النشطة، وتفسير العلاقة بين قرص التراكم وتولد النفاثات النسبية، وربط ذلك بملاحظة التغيرات التي تلتقطها التليسكوبات عبر أطوال موجية مختلفة، بما يفتح المجال أمام مزيد من الدراسات الرصدية والنظرية في مجال الفلك عالي الطاقة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *