التخطي إلى المحتوى

كشف باحثون أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، وبخاصة أدواته التوليدية، قد يساهم في خلق موجة بطالة “مرتفعة بشكل غير معتاد” بين فئة خريجي الجامعات في ولاية تكساس الأمريكية. وتأتي هذه المخاوف في وقت تتوسع فيه الولاية سريعًا بوصفها واحدة من أكبر البيئات لاستثمارات مراكز البيانات قيد الإنشاء، ما يجعلها في موقع محوري لفهم العلاقة بين الطلب على البنية التحتية لتشغيل الذكاء الاصطناعي وبين أثره على فرص العمل.

## تراجع إعلانات الوظائف يسبق أثر البطالة
وبحسب تقرير نقلته صحيفة “فاينانشيال تايمز”، استنادًا إلى باحثين في المجلس الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، فإن إعلانات الوظائف في تكساس التي ترتبط بالأعمال التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي شهدت تراجعًا منذ إطلاق تطبيق “تشات جي بي تي” عام 2022. والأثر—وفق ما تشير إليه الدراسة—لم يكن متساويًا؛ إذ ظهر بشكل أشد على الخريجين الجدد، وعلى من ينتقلون من وظائف إلى وظائف أخرى.

وتوضح نتائج تحليل المجلس أن إعلانات الوظائف انخفضت خلال الربع الأول من عام 2025 بنحو 8% تقريبًا للوظائف الأكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي مقارنة بالوظائف الأقل اعتمادًا عليه.

ومن بين أهم ما يلفت الانتباه في هذا السياق أن الباحثين يرجحون أن تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على التوظيف والأجور قد يظهر أولًا لدى الفئات التي تدخل سوق العمل لأول مرة. فبدل أن تتحول الوظائف بشكل تدريجي كما يحدث عادة مع التقنيات السابقة، يبدو أن ديناميكيات التبني السريع قد تسهم في رفع معدلات البطالة بين خريجي الجامعات في فترة قصيرة نسبيًا.

## “إعادة تشكيل” سوق العمل: من البرمجة إلى المهام المكتبية
يشير الباحثون من الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أن أكثر المهن عرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي في تكساس تشمل مجالات تطوير البرمجيات، وتصميم المواقع الإلكترونية، والوظائف التي تتطلب استخدامًا مكثفًا للحاسوب. كما يلفت البحث الانتباه إلى أن بعض المهن المكتبية—ومنها المديرون، والموظفون الكتابيون، والمحررون—ليست خارج دائرة التأثير، إذ يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أتمتة أجزاء من كتابة المحتوى، وتلخيص المستندات، وتوليد مسودات العمل، ومراجعة الصياغات، وهو ما قد يغيّر طبيعة المهام المطلوبة.

وكتفسير أوسع لهذه الظاهرة، من المرجح أن الشركات لا تكتفي بتوظيف مهارات جديدة فقط، بل تعيد توزيع العمل داخل الفرق: تقليل بعض الأدوار الروتينية، وتحويل التركيز نحو الإشراف، وتحسين جودة المخرجات، وربط النماذج بالأنظمة والبيانات، وهو ما قد يجعل الانتقال الوظيفي أكثر صعوبة لمن لا يملك خبرة عملية أو تدريبًا حديثًا.

## من داعم إلى ناقد: توتر سياسي واجتماعي حول مراكز البيانات
تتفاقم الصورة في تكساس بفعل الجدل المحلي حول مراكز البيانات المطلوبة لتشغيل الذكاء الاصطناعي. فمع تزايد معارضة هذه المرافق، اضطرت قيادات سياسية—وفق ما ورد—إلى مراجعة مواقفها. وتوضح “فاينانشيال تايمز” أن الحاكم الجمهوري جريج أبوت انتقل من كونه داعمًا قويًا لصناعة الذكاء الاصطناعي إلى ناقد صريح لها، في ظل رد فعل شعبي متزايد من الناخبين تجاه مراكز البيانات قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

وفي تقرير حديث لمركز “أنينبرج” للسياسات العامة في جامعة بنسلفانيا، لوحظ أن معارضة بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ارتفعت بشكل حاد في الولايات المتحدة. فقد عارض 61% من البالغين بناء هذه المرافق في مناطقهم في يوليو، بزيادة قدرها 12 نقطة مئوية مقارنة باستطلاع سابق أجري في فبراير ومارس.

وتشير البيانات إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو داعم بارز لقطاع الذكاء الاصطناعي، يرى أن الذكاء الاصطناعي سيقود إلى نمو اقتصادي وخلق فرص عمل، بينما تجاهل—بحسب منتقدين—التصاعد الواضح في المعارضة الشعبية. وفي منشور على منصة “تروث سوشيال”، قال ترامب إن رفض مراكز البيانات قد يرتبط—على حد تعبيره—بالرغبة في “التخلف والفقر”، مؤكّدًا أن المجتمعات التي تريد “النجاح والثراء” يجب أن تجعل الذكاء الاصطناعي في مركز الأولويات.

## بطالة الشباب عالميًا ومحليًا: مؤشر على ضغوط أوسع
لا تقتصر المشكلة على تكساس. إذ كشفت “منظمة العمل الدولية” أن معدل بطالة الشباب عالميًا آخذ في الارتفاع، خصوصًا في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع. وتفيد المنظمة بأن معدل بطالة الشباب في أمريكا الشمالية ارتفع من 8.3% عام 2023 إلى 9.8% عام 2025. كما لا تزال معدلات بطالة الشباب في شمال أوروبا وجنوبها وغربها مرتفعة عند 15% في عام 2025.

ويخلص تقرير المنظمة إلى أن وظائف كانت تاريخيًا بوابة لدخول الشباب إلى سوق العمل بدأت في التقلص. وتشمل هذه الوظائف الكتابية والإدارية، والوظائف المتعلقة بالتصنيع، وبعض المهن التقنية. ومع أن التأثير المباشر للذكاء الاصطناعي على الوظائف—وفق المنظمة—لا يزال غير واضح بالكامل، فإن الرسالة الأساسية هي أن المخاطر لا ينبغي التقليل منها، وأن السياسات يجب أن توجه التقدم التكنولوجي ليخدم الشباب بدل أن يزيد هشاشتهم.

## ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا؟ (قراءة واقعية للمشهد)
مع استمرار توسع مراكز البيانات وارتفاع الاستثمار في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، قد يتجه سوق العمل في تكساس إلى نمط مزدوج: طلب متزايد على مهارات جديدة مرتبطة بتشغيل التقنيات وتحسينها وربطها بالبيانات والأنظمة، مقابل ضغط على وظائف تتضمن مهام متكررة أو قابلة للأتمتة.

ولذلك، تصبح إعادة التأهيل والتدريب—خصوصًا للخريجين الجدد—جزءًا حاسمًا من المعادلة. كما قد تحتاج الشركات إلى تطوير سياسات توظيف أكثر توازنًا، تجمع بين استخدام الذكاء الاصطناعي وتعزيز مسارات تعليمية وتطبيقية تقلل فجوة الخبرة التي قد تعيق دخول الشباب.

في النهاية، تشير الوقائع المتاحة حتى الآن إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد “محرك ابتكار”، بل قوة تعيد ترتيب المنافسة داخل سوق العمل. وفي تكساس، حيث تتسارع وتيرة التوسع في مراكز البيانات، تتحول هذه الأثرات إلى اختبار مباشر لقدرة الاقتصاد على استيعاب الخريجين وتوفير وظائف مناسبة لهم في ظل تغير متسارع في طبيعة الطلب على المهارات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *