التخطي إلى المحتوى

تتزايد أهمية صناعة أشباه الموصلات بوصفها محركًا حاسمًا للتنافس التكنولوجي حول العالم، وتراهن تايوان على ريادتها في تصنيع الرقائق المتقدمة للحفاظ على مكانتها في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا مع التسارع الكبير في احتياجات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته. وفي ظل سباق دولي لجذب الاستثمارات الصناعية الخاصة بالرقائق إلى داخل أراضيها، تحاول تايوان تحويل قوتها التصنيعية إلى ميزة استراتيجية مستمرة لا ترتبط بالإنتاج وحده، بل تمتد إلى إدارة المخاطر والالتزام بالموثوقية في التوريد.

يؤكد الرئيس التايواني لاي تشينغ-ته أن قوة تايوان في أشباه الموصلات لا تتجسد في قدراتها التصنيعية فحسب، بل ترتبط أيضًا بجملة من الأسس التي تُمكّنها من بناء الثقة مع الشركاء الدوليين، وعلى رأسها الديمقراطية وسيادة القانون. ويُنظر إلى هذه العوامل على أنها داعمة لنظام تعاقدي وبيئي اقتصادي يعزز استقرار التوريد، وهو ما يجعل تايوان شريكًا مهمًا للأسواق التي تعتمد على الرقائق لتشغيل البنية الرقمية الحديثة.

## استثمارات مليارية تغيّر خريطة تصنيع الرقائق

في قلب هذا التوجه تقف شركة TSMC، باعتبارها أكبر مصنع للرقائق لحساب الغير في العالم، إضافةً إلى كونها منتجًا رئيسيًا للرقائق المتقدمة المستخدمة في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ومع تزايد الطلب على قدرات الحوسبة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، تصبح قدرة تايوان على إنتاج الرقائق المتقدمة عنصرًا مؤثرًا في المشهد التكنولوجي العالمي، سواء لدى شركات التقنية أو لدى الجهات التي تعتمد على الأنظمة الإلكترونية في قطاعات استراتيجية مثل الدفاع.

لكن هذا الدور يجعل تايوان في دائرة ضغوط متزايدة لتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على موقع جغرافي واحد. فمن جهة، تدفع الولايات المتحدة—باعتبارها داعمًا رئيسيًا لتايوان ومصدرًا مهمًا للتعاون—نحو تعزيز توسيع التصنيع خارج الجزيرة. ويظهر ذلك في خطط توسع TSMC داخل الولايات المتحدة، حيث تستهدف الشركة إنفاق نحو 265 مليار دولار لإنشاء مصانع في ولاية أريزونا. والهدف لا يقتصر على زيادة الطاقة الإنتاجية، بل يتعلق أيضًا ببناء قاعدة صناعية أكثر قدرة على الصمود أمام اضطرابات سلاسل الإمداد.

ومن جهة أخرى، لا يقتصر السباق على الولايات المتحدة فقط. إذ يعمل الاتحاد الأوروبي أيضًا على جذب جزء أكبر من سلسلة قيمة أشباه الموصلات، ويظهر ذلك من خلال استثمار TSMC بحجم يقارب 3.5 مليار يورو (ما يعادل 4.06 مليار دولار) في ألمانيا، بهدف إنشاء أول مصنع للشركة في أوروبا. وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوروبية لتقليل فجوة الاعتماد على موردين خارج المنطقة وضمان توفر الرقائق للبنية الرقمية والصناعات المتقدمة.

## الرقائق قاعدة ثورة الذكاء الاصطناعي

يرتبط التوسع الدولي في تصنيع الرقائق بإدراك متزايد بأن أشباه الموصلات لم تعد مجرد عنصر داعم للاقتصاد الرقمي، بل أصبحت ركيزة أساسية للذكاء الاصطناعي ولصناعات الدفاع والاتصالات والروبوتات والسيارات الحديثة. لذلك تتجه الحكومات والشركات إلى إعادة توزيع القدرات التصنيعية ضمن ما يُعرف بمفهوم “تعدد مواقع الإنتاج” لتقليل أثر أي خلل أو توقف في منشآت بعينها.

وتتوافق هذه الرؤية مع ما طُرح في فعاليات مرتبطة بالقطاع، حيث رأى مسؤولون أمريكيون أن مستقبل ريادة الذكاء الاصطناعي وتطوير القدرات الدفاعية وقواعد الاقتصاد العالمي يتطلب امتلاك قدرات تصنيع قوية في أشباه الموصلات. كما ارتبط توسع تايوان وشركاتها في الولايات المتحدة بمحاولة بناء سلسلة إمداد أكثر مرونة أمام اضطرابات قد تنتج عن أزمات سياسية أو توترات جيوسياسية أو حتى كوارث طبيعية.

## توزيع المخاطر والتعاون مع الشركاء

لا تقف تايوان عند حدود توسيع المصانع خارج أراضيها، بل تسعى—وفقًا للتوجه العام المعلن—لتوزيع المخاطر من خلال تقوية التعاون الدولي. ويشمل ذلك الاستعدادات لمختلف السيناريوهات مثل الكوارث الطبيعية والأوبئة وتغيرات المشهد الجيوسياسي. وتُفهم هذه المقاربة على أنها محاولة لتعزيز استمرارية الإنتاج والوفاء بالتزامات التوريد حتى في الظروف الاستثنائية.

وبالنسبة للتعاون مع أوروبا، أبدى لاي تشينغ-ته استعدادًا لتوسيع المسارات المتعلقة بالتعاون التكنولوجي مع الدول الأوروبية، مع مطالبة الجهات الأوروبية باتخاذ خطوات مقابلة تسهّل الاستثمار، بما في ذلك إبرام ترتيبات تتعلق بتجنب الازدواج الضريبي وتسهيل البيئة الاستثمارية. ويُعد هذا النوع من الاتفاقات جزءًا من بناء جسور الثقة التي تحتاجها الشركات عند نقل أجزاء من سلاسل الإمداد إلى أسواق جديدة.

## الحفاظ على الدور الأساسي رغم التوسع خارج الجزيرة

على الرغم من انتقال جزء من الاستثمارات إلى الخارج، تحاول تايوان الحفاظ على موقعها في قلب صناعة الرقائق من خلال الاستفادة من الخبرة التكنولوجية المتراكمة لشركاتها—وفي مقدمتها TSMC—والاعتماد على الطلب المتزايد على الرقائق المتقدمة. فمع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا تزال الحاجة للرقائق عالية الأداء في تصاعد، ما يجعل تايوان لاعبًا لا يمكن استبعاده من معادلة تصنيع الجيل الجديد من الحوسبة.

ويبدو أن استراتيجية تايوان تمزج بين “التوسع لحماية سلاسل الإمداد” و”الحفاظ على التفوق التكنولوجي”. ومن خلال زيادة الإنتاج خارج الجزيرة مع الحفاظ على الخبرات الأساسية داخلها، تحاول تايوان تقديم نموذج يجمع بين المرونة الصناعية والقدرة على الاستجابة السريعة لاحتياجات الأسواق العالمية، في وقت تتسارع فيه المنافسة بين الولايات المتحدة وأوروبا وأجزاء أخرى من العالم لجذب صناعة الرقائق المتقدمة إلى محيطها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *