تراجعت أسعار النفط الخام في الأسواق الآجلة مسجلة خسائر أسبوعية، مع انخفاض بنحو 6.7% لخام برنت ونحو 4.2% لخام غرب تكساس، وذلك في ظل تراجع المخاوف المرتبطة بنقص الإمدادات بالتزامن مع زيادة عمليات جني الأرباح بعد موجة ارتفاع سابقة. وتعكس هذه الحركة مزيجًا من عوامل جيوسياسية واقتصادية ومالية، بعضها يدعم الطلب على المدى القريب وبعضها الآخر يزيد الضغوط على الأسعار.
في ضوء ما رصدته تقارير السوق، يمكن تلخيص أبرز الأسباب التي ساهمت في انخفاض أسعار النفط الخام فيما يلي:
1) آمال استئناف الملاحة في مضيق هرمز
ارتفعت توقعات إمكانية التوصل إلى تفاهمات تسمح باستئناف حركة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحراً. ومع تخفيف حدة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالممر، تقل شهية السوق لشراء عقود النفط بهدف التحوط، ما ينعكس على الأسعار في العقود الآجلة.
2) توجه المستثمرين لجني الأرباح
تزامن انخفاض الأسعار مع زيادة عمليات بيع العقود الآجلة، خاصة لدى المستثمرين الذين استفادوا من الارتفاع الذي شهدته الأسعار خلال الفترة الماضية. وعندما تتقلص علاوة المخاطر، تصبح عمليات التصحيح السريع أكثر احتمالًا، فتضغط على السعر.
3) توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية وكبح التضخم
يشير بعض المتعاملين إلى احتمال توجه مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة في محاولة للحد من التضخم المرتفع. عادةً ما تؤدي الفائدة الأعلى إلى تباطؤ النمو وتراجع الطلب الاستهلاكي والصناعي، إضافة إلى أنها تدعم الدولار، وهو عامل غالبًا ما يقلل من جاذبية النفط للمشترين خارج نطاق الدولار.
4) ارتفاع مخزونات النفط التجارية الأمريكية
ارتفعت مخزونات النفط الخام التجارية في الولايات المتحدة بنحو 95 ألف برميل لتصل إلى أعلى مستوى منذ نهاية مايو الماضي، مسجلة نحو 428.9 مليون برميل، وهو ما يتزامن مع تحسن الإنتاج. ارتفاع المخزون، حتى لو كان محدودًا، غالبًا ما يعطي إشارة بوفرة نسبية في الإمدادات داخل أكبر سوق استهلاكية ومُنتِجة، مما يضغط على الأسعار.
5) انخفاض عدد منصات الحفر كإشارة مبكرة لاحتمال تباطؤ الإنتاج
تراجع عدد منصات حفر النفط الخام العاملة في الولايات المتحدة إلى نحو 447 حفارة، ويُنظر إلى ذلك كإشارة مبكرة لاحتمال تباطؤ في وتيرة الإنتاج خلال الأشهر المقبلة. ورغم أن هذا العامل قد يحمل دعمًا للسعر مستقبلاً، إلا أن تأثيره قد لا يكون كافيًا لتعويض الضغوط الفورية الناجمة عن ارتفاع المخزونات وضعف المخاوف من الإمدادات.
6) ارتفاع مؤشر الدولار الأمريكي
شهد مؤشر الدولار ارتفاعًا مقابل سلة عملات رئيسية، ما يرفع تكلفة النفط على المشترين الذين يدفعون بعملات غير الدولار. وعادةً ما يقلل ذلك من الطلب، خاصة في الأسواق التي تعتمد على التمويل بالعملات المحلية، فينعكس على حركة الأسعار.
ومن بين العوامل الإضافية التي برزت ضمن المشهد الأوسع:
7) توسيع الضغوط الاقتصادية على إيران والعقوبات الثانوية
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية توسيع نطاق الضغوط الاقتصادية على إيران، مع إمكانية فرض عقوبات ثانوية على الشركات العاملة معها، بما في ذلك الشركات في دول تُعد من أبرز مستوردي النفط الإيراني، وعلى رأسها الصين. أي تصعيد في العقوبات عادةً ما يدعم أسعار النفط عبر الخوف من خفض الإمدادات، إلا أن السوق في هذه المرحلة بدت أكثر ميلًا للتسعير عبر تراجع المخاطر المرتبطة بالشحن والممرات.
8) استمرار استهداف البنية التحتية للطاقة المرتبطة بالتوترات
وردت تقارير عن استمرار استهداف منشآت وبنية طاقة مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في شرق أوروبا، بما في ذلك مصفاة “Slavneft-YANOS” الروسية بطاقة 300 ألف برميل يوميًا. هذا النوع من الأخبار يظل حساسًا لأنه قد يؤثر في الإمدادات الفعلية أو خطط التكرير، لكنه لا يمنع عمليات التصحيح إذا كانت المخاوف العامة من النقص تتراجع في الوقت نفسه.
9) استمرار عدم الاهتمام الأمريكي بالعودة لبنود التفاهم مع إيران
تشير تقارير إلى أن الرئيس الأمريكي غير مهتم بالعودة إلى بنود مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها مع إيران في يونيو الماضي، ما يعني استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي. ومع ذلك، فإن تأثير عدم اليقين على الأسعار يعتمد على كيفية تسعير السوق لحجم المخاطر الفعلية المتعلقة بالشحن والإنتاج.
خلاصة المشهد
بشكل عام، ترجح حركة التراجع الأسبوعي لأسعار النفط أن السوق أصبحت أكثر حساسية لعوامل العرض والتمويل الفوريّة، مثل ارتفاع مخزونات أمريكا ودعم الدولار وتوجهات جني الأرباح، بالتزامن مع تراجع بعض مخاوف الإمدادات المرتبطة بهرمز. وفي المقابل، تظل الملفات الجيوسياسية المتعلقة بإيران وروسيا قائمة وقد تعيد تقلبات الأسعار إذا ظهرت مؤشرات ملموسة على تأثير مباشر في الشحن أو التكرير.
وللمتابعة خلال الأيام المقبلة، سيراقب المتعاملون عادةً بيانات المخزون الأمريكية، وتطورات التصريحات المتعلقة بالسياسة النقدية الأمريكية، وأي تطورات على صعيد الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى مؤشرات منصات الحفر والإنتاج في الولايات المتحدة، لأنها عوامل ترجح أن تحدد اتجاه الأسعار بين دعم مؤقت وعوائد تصحيحية.

التعليقات