شهدت أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة تذبذبًا ملحوظًا بعد موجة من الارتفاعات القوية، حيث تعرض المعدن الأصفر لتراجع سعري دفع كثيرًا من المواطنين والمستثمرين إلى التساؤل: هل تمثل الأسعار الحالية فرصة شراء حقيقية، أم أن مزيدًا من الانخفاض قد يكون واردًا؟
وبحسب الدكتور ناجي فرج، خبير صناعة الذهب والمجوهرات، فإن التراجع الحالي لا يعكس بالضرورة تحولًا جذريًا في اتجاه السوق، بل يأتي ضمن حركة تصحيح طبيعية بعد فترات صعود متتالية، وهو ما يجعل الصورة العامة أكثر ارتباطًا بعوامل آنية في مقدمتها حركة الأسواق العالمية.
وفي مداخلة هاتفية ببرنامج «مساء dmc»، أوضح فرج أن الذهب عالميًا فقد نحو 150 دولارًا من سعر الأوقية، بالتزامن مع انخفاض أسعار الفضة بأكثر من 4%، وهو تراجع سرعان ما انعكس على الأسعار داخل السوق المصرية؛ لتبدأ أسعار مختلف أعيرة الذهب في التحرك نزولًا مقارنة بالمستويات القياسية التي وصلت إليها خلال الفترة الماضية.
الفائدة الأمريكية وراء تحركات الذهب
يرى الخبير أن كلمة السر في حركة الذهب الحالية تتمثل في تطورات السياسة النقدية الأمريكية، لاسيما تصريحات مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل أسعار الفائدة. فحالة الترقب قبل قرارات الفيدرالي دفعت المستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم، ما انعكس على الضغط على أسعار الذهب.
وتتجه التوقعات حاليًا إلى سيناريو مفاده أن يكون هناك توجه نحو تثبيت أسعار الفائدة لفترة، وهو ما قد يشكل عاملًا داعمًا جديدًا للذهب في حال اتجهت الأسواق لاحقًا إلى توقعات أكثر مرونة بشأن مسار السياسة النقدية. كذلك، فإن أي تغيّر مفاجئ في نبرة التصريحات الرسمية قد ينعكس بسرعة على تحركات الذهب لأن المعدن يستجيب عادة لتوقعات العائد الحقيقي على الدولار ولحركة سيولة الأسواق.
لماذا ما زال الذهب يحظى بدعم عالمي؟
ورغم موجة التراجع الأخيرة، شدد ناجي فرج على أن عوامل الدعم الأساسية للذهب ما زالت قائمة. من أبرز هذه العوامل استمرار التوترات والأزمات الجيوسياسية عالميًا، إضافة إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تحافظ على جاذبية الذهب كملاذ آمن.
كما لفت إلى أن الطلب المؤسسي يعد عنصرًا محوريًا في دعم الأسعار. فبنوك مركزية في عدد من الدول واصلت زيادة حيازاتها من الذهب ضمن احتياطياتها الاستراتيجية، بما يعزز الاتجاه متوسط وطويل الأجل للمعدن.
وفي هذا السياق، أشار فرج إلى استمرار عمليات شراء الذهب من قبل البنك المركزي الصيني، حيث وصلت مشترياته إلى نحو 630 ألف أوقية خلال الشهر الماضي، وهو ما يعكس استمرار الطلب المؤسسي ويقدم إشارات إيجابية بشأن مستقبل سوق الذهب.
هل يشتري المواطن الذهب الآن؟
فيما يخص قرار المواطنين بين الشراء والبيع، أكد الخبير أن فترات هبوط الأسعار لا تعني بالضرورة أن الوقت مناسب للتخلص من الذهب. بل يمكن النظر إلى الانخفاضات الحالية كفرصة محتملة للراغبين في الشراء، خاصة إذا استمرت العوامل الداعمة عالميًا.
ونصح بأن يكون التعامل مع الذهب وفق رؤية استثمارية طويلة الأجل وليس بناءً على التحركات اليومية فقط؛ لأن الذهب بطبيعته يشهد فترات صعود يعقبها تصحيح، وقد يتطلب من المستثمرين وقتًا حتى تنعكس العوامل المؤثرة على اتجاه الأسعار.
توقعات بعودة الذهب للارتفاع قبل نهاية العام
وعن الاتجاه المتوقع، رجح الدكتور ناجي فرج أن يستعيد الذهب مساره الصاعد قبل نهاية العام الجاري، مع احتمال تسجيل مستويات سعرية جديدة حال اتضحت الصورة بشكل أكبر بشأن مسار أسعار الفائدة الأمريكية. ويُعد حسم قرارات الفيدرالي في الاجتماعات المقبلة من أبرز المحركات التي ستحدد اتجاه الذهب عالميًا.
كما أشار إلى أن أي تحول نحو خفض الفائدة أو تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا قد يعيد الزخم إلى المعدن الأصفر ويزيد الضغط الشرائي عليه. وبناءً على ذلك، يرى فرج أن التراجع الحالي قد يكون محطة مؤقتة لإعادة ترتيب السوق بعد الارتفاعات الكبيرة، وليس بداية موجة هبوط طويلة.
ولزيادة الاستفادة من أي فرصة شراء محتملة، من المفيد للمستثمرين متابعة مؤشرات الدولار وأسعار الفائدة العالمية، وكذلك مراقبة الطلب المؤسسي وحركة الذهب والفضة عالميًا، لأن هذه المتغيرات غالبًا ما تؤثر بسرعة على أسعار الذهب محليًا.
بالتالي، لا تبدو الصورة—وفقًا لرؤية الخبير—مرتبطة بموجة انهيار ممتدة، بل بتذبذب تحسيني يرتبط بقرار الفيدرالي وعوامل الدعم الجيوسياسية والمؤسسية التي تظل سندًا قويًا للذهب.

التعليقات