تؤكد خبيرة اقتصادية أن ملف الدين ما زال يمثل تحدياً مالياً كبيراً، لافتةً إلى أن بيانات الأشهر الـ11 الأولى من العام المالي أظهرت أن أعباء خدمة الدين استحوذت على نحو 71% من الإيرادات العامة. ورغم أن هذه النسبة أقل من مستوى العام المالي السابق الذي بلغ قرابة 78%، فإن استمرار ارتفاع وزن الدين يظل مؤثراً على قدرة الموازنة العامة على التوسع في الإنفاق المرتبط بالخدمات الأساسية.
وفي مداخلة هاتفية عبر برنامج «الصورة» مع الإعلامية لميس الحديدي على قناة النهار، أشارت الدكتورة ريهام الدسوقي إلى أن تركيز جزء كبير من الموارد في سداد التزامات الدين يحد عملياً من «الحيز المالي» المتاح للحكومة، وبالتالي قد يؤثر على سرعة وتيرة تمويل قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنية الأساسية والخدمات العامة. كما شددت على أن تقييم الأرقام لا يقتصر على نسبتها الحالية فقط، بل يمتد إلى قراءة اتجاهها العام، وكيفية إدارة الدولة لملف الدين على مدار الفترات المتعاقبة.
وأكدت أن المستثمرين يتابعون بعمق مسارين متلازمين: مصداقية الدولة في تنفيذ التزاماتها، وطريقة إدارة السياسة الاقتصادية وملفات التمويل. ومن وجهة نظرها، فإن أي معالجة للاختلالات يجب أن تكون مبنية على إجراءات جوهرية تعالج بنية الدين وأسلوب إدارة الإنفاق، وليس مجرد خطوات شكلية قد لا تغيّر واقع الالتزامات المالية أو قدرتها على الاستمرار في استنزاف جزء كبير من الإيرادات.
وأوضحت الدسوقي أن الإدارة الاقتصادية الحالية تضم كوادر قادرة على التعامل مع الملفات الاقتصادية، مشيرةً إلى أن المؤشرات المتعلقة بالدين تسير في اتجاه نزولي. وترى أن استمرار هذا المسار يمكن أن يفتح المجال لحدوث «انفراجة» خلال الفترة المقبلة، بما يساهم في تخفيف الضغط على الموازنة وتقليل كلفة خدمة الدين على الدولة.
وبحسب الطرح، فإن الحل لا يقتصر على إعادة ترتيب أرقام الدين فقط، بل يرتكز على ضبط الاختلالات الهيكلية في الدين والإنفاق الحكومي، بالتوازي مع سياسات قادرة على تحفيز النشاط الاقتصادي ورفع معدلات الإنتاج. فزيادة الإنتاج ورفع الكفاءة في استخدام الموارد من شأنها توليد إيرادات أكثر استدامة، وهو ما يساعد على توفير تمويل فعلي بدلاً من الاعتماد المفرط على مصادر تمويل متغيرة.
كما شددت على أن السداد الحقيقي للدين يتحقق بشكل أكثر استدامة عبر تنمية الاقتصاد وتعزيز مصادر الإيرادات، مع استمرار السياسات الإصلاحية التي تستهدف دعم الإنتاج وتحسين مناخ الاستثمار. فكلما تحسنت قاعدة الاقتصاد واتسعت الإيرادات القابلة للضخ في الموازنة، أصبح بالإمكان تخفيف العبء النسبي لخدمة الدين ورفع قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها وخدماتها دون تعريض الاستقرار المالي للضغط المستمر.
وفي ضوء ذلك، تظل نسبة 71% مؤشرًا مهمًا على مدى تحدي كلفة خدمة الدين مقارنة بحجم الإيرادات العامة، لكنها أيضاً تحمل دلالة على أن المسار قد يكون قابلًا للتحسن إذا استمرت الإجراءات في معالجة الجذور: هيكل الدين، كفاءة الإنفاق، وتوسيع قاعدة الإنتاج والإيرادات.

التعليقات