لم تعد المنافسة في عالم الذكاء الاصطناعي مقتصرة على حجم النماذج وقدرتها وحدها، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بسؤال عملي وحاسم: من يملك العتاد الذي يشغّل هذه النماذج بسرعة وكلفة أقل؟ ضمن هذا السياق، تتحرك أوبن إيه آي خطوة إلى الأمام عبر تطوير شريحة جديدة تحمل اسم جالابيو Jalapeño، بهدف تحسين طريقة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي من داخل منظومة الخدمة نفسها.
الفكرة خلف جالابيو ليست مجرد إنتاج معالج “عام” يمكن استخدامه لأي تطبيق، بل تصميم شريحة تراعي طريقة عمل نماذج أوبن إيه آي، وتنسجم مع بقية مكوّنات البنية التحتية. فالشريحة تأتي كجزء من رؤية أوسع تشمل الذاكرة والشبكات وبرمجيات التشغيل وأنظمة تشغيل النماذج، بحيث تعمل المنظومة ككل بشكل أكثر سلاسة بدل أن تُدار العناصر منفصلة وبالكفاءة نفسها لكل الأحمال.
ولأن خدمات الذكاء الاصطناعي تزداد استخدامًا بسرعة، فإن أهم مرحلة تؤثر مباشرة في الأداء هي ما يعرف بـالاستدلال Inference. الاستدلال هو اللحظة التي يستقبل فيها النموذج طلب المستخدم (مثل سؤال على ChatGPT أو تعليمات لروبوت كتابة كود)، ثم يعالج الطلب ويُنتج الإجابة. هذه العملية تتطلب قدرات حوسبة كبيرة، وتزداد تعقيدًا مع اتساع قاعدة المستخدمين وكثرة الطلبات المتزامنة. هنا تظهر الحاجة إلى شريحة ترفع “حصيلة العمل” لكل وحدة طاقة وتقلل زمن انتظار المستخدم.
وفق ما تطرحه أوبن إيه آي، فإن تصميم جالابيو يركز على تحسين الكفاءة على مستوى المنظومة وليس فقط تحسين رقم أداء منفصل للشريحة. وقد أشارت الشركة إلى تعاونها في تطوير الشريحة مع Broadcom، بينما شاركت Celestica في تطوير لوحات وأنظمة الرفوف ومكوّنات الإنتاج—وهو تفصيل مهم لأن كفاءة التشغيل لا تعتمد على الشريحة وحدها، بل على طريقة تركيبها وتغذيتها وتواصلها داخل مراكز البيانات.
وتستند أوبن إيه آي إلى اختبارات داخلية على ثلاثة نماذج: GPT-OSS 120B وDeepSeek R1 وKimi K2.5 1T. وبحسب النتائج التي عرضتها الشركة، حققت جالابيو معدل تنفيذ لأعمال الذكاء الاصطناعي لكل واط أعلى بنحو 1.5 إلى 1.9 مرة مقارنة بأنظمة المقارنة، كما تراوح الانخفاض في زمن الاستجابة الإجمالي بين 1.7 و3.6 مرات. وفي بعض أعباء العمل التفاعلية، يمكن أن يصل التحسن إلى 4.1 مرات، ما يعكس تركيز الشريحة على تقليل التأخير وتحسين الاستجابة عند الاستخدام الحقيقي.
هذه الأرقام تلمس نقطة حساسة جدًا في اقتصاديات خدمات الذكاء الاصطناعي. فمع توسع الاستخدام، تصبح تكلفة الطاقة والقدرة الحاسوبية جزءًا أكبر من التكلفة التشغيلية. لذلك فإن رفع الأداء لكل واط لا يعني فقط “سرعة أكبر”، بل يعني أيضًا قدرة على استقبال طلبات أكثر ضمن نفس ميزانية الطاقة أو نفس البنية التحتية، وهو عامل تنافسي مباشر عند نمو الطلب.
لكن جالابيو لا تُقدَّم كبديل كامل وفوري لكل ما تستخدمه أوبن إيه آي حاليًا. بدلاً من ذلك، تبدو الشريحة جزءًا من استراتيجية تراكبية تدريجية: بناء طبقة إضافية من التحكم في البنية التحتية التي تشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي. بمعنى آخر، بدل أن تعتمد الشركة على عتاد واحد من طرف خارجي لكل شيء، تسعى لتوسيع نطاق هندستها وبناء “وسادة كفاءة” داخل النظام—ثم الاستفادة من شركاء متعددين عند الحاجة.
ووفق خطة أوبن إيه آي، تستهدف الشركة نشر جالابيو بكميات محدودة بنهاية 2026، مع التوسع في استخدامها خلال 2027. كما يتوقع أن يترافق ذلك مع تطوير أجيال لاحقة من الشرائح واستمرار الاعتماد على شركاء في مجال الحوسبة، ومن بينهم إنفيديا، ما يعكس نهجًا واقعيًا يوازن بين الابتكار وتكامل البنية التحتية القائمة.
بذلك، يمكن النظر إلى جالابيو كخطوة عملية نحو تحول أوبن إيه آي من مجرد شركة تطور نماذج لغوية، إلى شركة تحاول امتلاك أجزاء أكبر من “العقل الباطني” الذي يجعل النماذج تعمل على نطاق واسع: شريحة أكثر كفاءة، وطبقة برمجية أوثق، وبنية بيانات أسرع استجابة وأكثر قابلية للتوسع. ومع استمرار نمو الطلب على الذكاء الاصطناعي، قد تصبح مثل هذه المبادرات عاملًا فارقًا في تحديد من يقدر على تقديم قدرات متقدمة بأقل تكلفة وأسرع أداء.

التعليقات