تُعدّ المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا استثماريًا متقدمًا لدعم مسار التنمية في مصر، وتحويل تحديات السنوات الماضية إلى فرص ملموسة في قطاعات النقل واللوجستيات والتصنيع. فبعد سنوات من التخطيط والتنفيذ، جاءت المنطقة الاقتصادية كمنصة وطنية تجمع البنية التحتية المتقدمة مع منظومة تنظيمية وجاذبية استثمارية، لتمنح مصر موقعًا تنافسيًا أكبر بين دول المنطقة والعالم، خصوصًا في سلاسل الإمداد العابرة للقارات.
وبموجب القانون رقم 83 لسنة 2002 وتحديثه في 2015، تأسست المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كهيئة مستقلة تمتلك صلاحيات تنفيذية وتنظيمية واسعة، تشمل الموافقة على المراسيم وتقديم حوافز إضافية، إضافة إلى الإشراف على مجالات التشغيل والتوظيف والسيطرة على الميزانية والتمويل، وكذلك تطوير الشراكات وتقديم خدمات تسهيل الأعمال للمستثمرين. وتأتي هذه المرونة بهدف تقليص زمن بدء المشروعات وزيادة كفاءة إدارة الاستثمار داخل نطاق المنطقة.
قطاعات صناعية مستهدفة تركز على القيمة المضافة وفرص العمل
تعتمد المنطقة الاقتصادية بيئة أعمال صديقة للمستثمر، وتضع ضمن أولوياتها توطين صناعات ذات قيمة مضافة وخلق فرص عمل تدريجيًا عبر 21 قطاعًا صناعيًا مستهدفًا. وتستهدف هذه القطاعات توسيع القدرة الإنتاجية وربط الاستثمار بالمخرجات الاقتصادية، عبر استقطاب شركات تعمل في مجالات الموانئ والخدمات اللوجستية والصناعات المكملة وسلاسل الإمداد.
ومنذ اليوم الأول، كان التركيز قائمًا على الاستفادة من موقع قناة السويس والمناطق المحيطة بها، وتوفير نموذج يدمج “المركز اللوجستي” مع “المنطقة الصناعية” كحل متكامل. كما تسعى المنطقة لبناء شراكات طويلة الأمد مع مؤسسات دولية لدعم توطين سلاسل القيمة الصناعية وتعميق التصنيع المحلي وتعزيز التصدير إلى أسواق إفريقيا وأوروبا. ويظهر هذا النهج في حجم مشاركة المستثمرين من دول متعددة، بما يعكس ثقة متزايدة في استقرار بيئة الأعمال داخل المنطقة.
حجم إنجازات متراكم: 21.1 مليار دولار استثمارات و504 مشاريع لـ30 دولة
تُظهر حصيلة المنطقة الاقتصادية خلال الفترة منذ إنشاء المنطقة في 2015 وحتى الوقت الحالي نتائج تعكس أثر البنية التحتية وممكنات الاستثمار التي تم إنجازها. فقد بلغ إجمالي حجم الاستثمارات نحو 21.1 مليار دولار، موزعة على 504 مشروع داخل الموانئ والمناطق الصناعية. وتنوعت هذه المشاريع لتشمل استثمارات من نحو 30 دولة، ما أسهم في توفير 140 ألف فرصة عمل مباشرة.
وتأتي أهمية هذه الأرقام من كونها ليست مجرد توسع عقاري أو بنية تحتية منفصلة، بل منظومة متكاملة تستند إلى تحويل المنطقة إلى منصة لتوريد سلاسل الإمداد ذات القيمة المضافة بمستوى عالمي. كما تسهم المشاريع في رفع كفاءة نقل البضائع وتدعيم التصنيع القائم على احتياجات السوق الإقليمية والدولية.
ميناء شرق بورسعيد يتصدر إفريقيا عالميًا وفق مؤشر أداء موانئ الحاويات
يشير تقييمات حديثة إلى قوة أداء المنطقة الاقتصادية، ومن أبرزها تصنيف ميناء شرق بورسعيد كالأول إفريقيًا والثالث عالميًا وفق مؤشر أداء موانئ الحاويات الصادر عن البنك الدولي لعام 2024. ويعكس هذا الإنجاز قدرة الميناء على تحقيق مستويات أداء تنافسية ضمن بيئة عالمية شهدت تحديات جيوسياسية واقتصادية.
وعلى مستوى الأداء المالي، ووفق مؤشرات نهاية الربع الثالث من العام المالي 24-25 (من أول يوليو حتى نهاية مارس 2025)، حققت الهيئة حجم إيرادات إجمالي قدره 8.6 مليارات جنيه بزيادة قدرها 40% مقارنة بالفترة المقابلة من العام المالي السابق (والتي بلغت حينها 6.1 مليارات جنيه). كما بلغ معدل نمو الإيرادات عن توقعات الموازنة لنفس الفترة نحو 10%.
كما شهدت إيرادات الأنشطة الأخرى ارتفاعًا واضحًا كنسبة مساهمة في إجمالي إيرادات الهيئة حتى مارس 2025 لتصل إلى 17% مقارنة بحصة متوسطة لم تتجاوز 8% خلال السنوات الخمس السابقة للأنشطة الأخرى (بخلاف الموانئ). ويُبرز ذلك أثر جهود الترويج والاستفادة من المناطق الصناعية واللوجستية والمرافق التي تم إنجازها.
أهم افتتاحات المنطقة: محطة دحرجة السيارات SCAT في ميناء شرق بورسعيد
ضمن مسار الاحتفالات بمرور 11 عامًا على إنشاء المنطقة الاقتصادية، جاءت من أبرز الافتتاحات محطة دحرجة السيارات والمركبات “رورو” SCAT في ميناء شرق بورسعيد، وذلك بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي العام الماضي. وتعَدّ المحطة خطوة استراتيجية لتعزيز قدرات الموانئ المصرية، وتثبيت دور مصر كمركز لوجستي إقليمي متكامل، بما يخدم خطط تطوير البنية التحتية وجذب الاستثمارات المتعلقة بتصنيع وتجميع وتداول السيارات.
ويشارك في إدارة وتشغيل المحطة تحالف دولي يضم 3 شركات كبرى هي: تويوتا تسوشو اليابانية وبولوريه الفرنسية وإن واي كي اليابانية (NYK)، بما يتيح نقل خبرات تشغيلية عالمية ورفع كفاءة الخدمات داخل الميناء.
وتبلغ التكلفة الاستثمارية للمحطة 159 مليون دولار، على مساحة 212 ألف متر مربع، مع رصيف بطول 600 متر قادر على استقبال مختلف أنواع سفن السيارات. وتستهدف المحطة رفع الطاقة التشغيلية لتداول السيارات في ميناء شرق بورسعيد ودعم حركة التجارة عبر البحر المتوسط والشرق الأوسط، مع قدرة استيعابية أولية تصل إلى 50 ألف مركبة سنويًا.
كما توفر المحطة نحو 400 فرصة عمل مباشرة، إضافة إلى مئات الوظائف غير المباشرة في قطاعات اللوجستيات والنقل وسلاسل الإمداد. وتؤدي المحطة دورًا محوريًا كأحد أذرع جذب الاستثمار في تجميع السيارات والصناعات المغذية وخدمات اللوجستيات الخاصة بقطع الغيار والتوزيع، بما يتماشى مع توجهات الدولة لتعميق التصنيع المحلي وتحقيق الاستدامة ضمن إطار مصر 2030.
ماذا يعني هذا للمنطقة على المدى القريب والبعيد؟
لا تقتصر قيمة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على الأرقام الاستثمارية فقط، بل تمتد إلى خلق منظومة عمل متكاملة تتقاطع فيها الموانئ مع المناطق الصناعية، بما يسرّع نمو سلاسل الإمداد ويقلل تكاليف التشغيل ويوفر مرونة أكبر أمام المستثمرين. ومع استمرار توسع المشروعات واستهداف قطاعات صناعية متعددة، تتوقع المنطقة أن تواصل جذب استثمارات إضافية وتوسيع نطاق التصدير، خاصة مع تنامي الطلب على حلول لوجستية أسرع وأكثر كفاءة في التجارة العالمية.
وبذلك، تبدو المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كقصة نجاح قابلة للتكرار والتطوير، تجمع بين البنية التحتية المهيأة، والحوكمة المرنة، وشراكات دولية واسعة، لتقديم نموذج “سنغافورة الشرق” كواجهة استثمارية داعمة لخطط التنمية، ومحرّك حقيقي للنمو المبني على القيمة المضافة وفرص العمل.

التعليقات