التخطي إلى المحتوى

مع تصاعد القلق من تأثير تغيّر المناخ على الموارد المائية، عاد الحديث مجددًا حول مدى تأثر نهر النيل خلال العام الجاري بظاهرة «النينيو»، وما إذا كانت قد تقود إلى تذبذب في الوارد المائي وصولًا إلى انعكاسات على حصة مصر من مياه النهر. ويرى مختصون أن أي تغيير في أنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق منابع النيل—خصوصًا في شرق أفريقيا—قد ينعكس على حجم المياه المتدفقة إلى المجرى الرئيسي، وبالتالي على قدرة دول الحوض على الوفاء باحتياجاتها.

كيف ترتبط ظاهرة النينيو بمناخ حوض النيل؟

يحذر الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، من تداعيات محتملة لظاهرة النينيو على مناطق منابع النيل. ويؤكد أن ارتفاع درجات حرارة الهواء المصاحب لها قد يؤثر على تكوين السحب وفرص هطول الأمطار في أقاليم حيوية لتغذية النيل، وفي مقدمتها نطاق القرن الأفريقي. فإذا قلّت فرص تكوّن السحب الممطرة في تلك المناطق، فقد تنخفض معدلات الأمطار الموسمية التي تعد أحد الروافد الطبيعية الأساسية في دورة المياه المؤدية إلى نهر النيل.

انخفاض محتمل في الوارد المائي من المنابع الشرقية

يربط الخبير هذه التأثيرات باحتمالات تراجع الوارد المائي القادم من المنابع الشرقية لنهر النيل. فالقرن الأفريقي يمثّل منطقة استراتيجية بالنسبة لتغذية النهر، وأي تذبذب في أمطارها—حتى وإن كان مؤقتًا—قد يسبب انخفاضًا في تدفقات المياه التي تصل لاحقًا إلى مجرى النيل، وهو ما يجعل تأثير الظاهرة مرتبطًا أيضًا بتوقيت الهطول وكثافته ومدته.

تأثير النينيو على الأمطار: من تكوين السحب إلى تدفقات المياه

يوضح الدكتور نور الدين أن النينيو يرتبط بارتفاع درجات حرارة الهواء، ما قد يؤدي إلى الحد من تكوّن السحب الممطرة في بعض مناطق القرن الأفريقي. وبحسب هذا المنطق البيئي، فإن انخفاض الأمطار هناك قد ينعكس على حجم المياه التي تتجه من المنابع إلى الأنهار الرئيسية، ومنها النيل. وفي مثل هذه السيناريوهات، يصبح التنبؤ المبكر بالغلاف الجوي—ومراقبة المؤشرات المناخية—جزءًا أساسيًا لتقدير حجم الوارد المائي خلال الموسم.

هل يعني ذلك تراجع «إيرادات» النيل؟

يشير أستاذ الموارد المائية والأراضي إلى احتمالات تراجع رصيد المياه في نهر النيل، خصوصًا أن جزءًا مهمًا من الإيراد يعتمد على المنابع الشرقية في إثيوبيا. كما يستشهد بما شهدته السودان في فترات سابقة من تداعيات مرتبطة بتراجع الوارد المائي، حيث أدى انخفاض المياه في بعض الحالات إلى توقف محطات مياه الشرب، وهو مؤشر على حساسية دول حوض النيل تجاه أي هبوط ملموس في الموارد المائية.

ما المقصود بالسنوات العجاف؟ وكيف تؤثر إداريًا على مصر؟

يرتبط ملف «السنوات العجاف» بحديث إدارة مياه النيل خلال المباحثات مع الجانب الإثيوبي، إذ سبق أن طرحت مصر مقترحات للتعامل مع فترات الجفاف الممتد. وتتمثل الفكرة—وفقًا لما ذكره الخبير—في استخدام ما بين 70% و80% من مياه بحيرة السد خلال سنوات الجفاف لتلبية الاحتياجات المائية، مع استمرار توليد نحو 80% من الكهرباء بدلًا من الوصول إلى التشغيل الكامل، بما يوازن بين ضمان استمرار إمدادات المياه وحماية احتياجات السكان.

ويركز هذا التصور على أن الأولوية يجب أن تكون لتأمين حياة البشر واحتياجاتهم الأساسية، مع إدارة موارد الطاقة بما يتماشى مع واقع المياه بدلًا من افتراض ثباتها.

هل تعني السنوات العجاف جفافًا متتاليًا؟

يشدد الدكتور نور الدين على أن «السنوات العجاف» لا تعني بالضرورة تكرار الجفاف لسنة أو سنوات متتالية. فهذه الفترات—بحسب ما يذكره من قراءة للتاريخ المائي—قد تتكرر على فترات زمنية متباعدة. ويشير إلى أن فترات الجفاف الشديد قد تأتي كل نحو 7 إلى 20 عامًا، وأن التكرار المتتابع لم يحدث بصورة مستمرة على مدار التاريخ إلا في حالات محدودة.

تخزين المياه وإدارة المخزون: نقاط حساسة في دول الحوض

ينتقد الخبير ما وصفه بـ«إصرار إثيوبيا» على تخزين كميات كبيرة من المياه، موضحًا أن تداعيات انخفاض الوارد المائي ظهرت بوضوح في السودان في حالات سابقة. ويعني ذلك أن مسألة التوازن بين التخزين وإدارة التصريف خلال مواسم الضعف المائي تصبح عاملًا مؤثرًا في استقرار الإمداد المائي عبر دول الحوض.

فتح بوابات السد ودور التنسيق بين دول الحوض

يرى الدكتور نور الدين أن فتح بوابات السد بدأ لاحقًا بصورة محسوبة في ظل الحاجة إلى التعامل مع انخفاض الموارد المائية. كما يؤكد أن إدارة فترات الجفاف تتطلب تنسيقًا فعليًا بين دول حوض النيل لضمان عدم تعرض أي دولة لأضرار جسيمة نتيجة نقص المياه، ولتحقيق توزيع أكثر عدالة واستدامة للموارد المتاحة خلال الظروف المناخية الصعبة.

ماذا ينبغي مراقبته خلال الفترة المقبلة؟

في حال استمرار مؤشرات النينيو أو اتساع أثرها على شرق أفريقيا، يصبح من الضروري متابعة عدة عناصر: أولًا، تطور أنماط الأمطار في القرن الأفريقي وتغيراتها من حيث الكمية والتوقيت. ثانيًا، مستويات الوارد إلى المنابع الرئيسية وتأثير ذلك على خزانات المياه والسدود. ثالثًا، كفاءة خطط إدارة المياه الوطنية والقدرة على تقليل الفاقد ورفع كفاءة الاستخدام في الزراعة والشرب. وأخيرًا، تعزيز تبادل المعلومات بين دول الحوض لتقليل المفاجآت وتحسين القرارات التشغيلية.

وفي النهاية، لا يتوقف مستقبل المياه على الظواهر المناخية وحدها، بل على كيفية إدارتها عبر سياسات مشتركة وتنسيق يعكس أولوية الأمن المائي وحماية الاحتياجات الأساسية، خاصة في ظل احتمالات تذبذب الأمطار المرتبطة بالنينيو وتغير المناخ.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *