شهدت سماء عدد كبير من الدول أمس ظاهرة فلكية نادرة ومبهرة، تمثلت في خسوف قمري جزئي/شبه كامل حين مرّت الأرض بين الشمس والقمر، فغاب قرص القمر خلف ظل الأرض تدريجيًا. وبحسب ما ورد، وصلت نسبة تغطية ظل الأرض إلى نحو 96% من قرص القمر عند ذروة الخسوف، تاركةً هلالًا صغيرًا ما يزال مضاءً بنور الشمس، ليظهر القمر في لحظات الذروة بلون أحمر قانٍ لافت.
ويعود “اللون الأحمر” الذي يرافق الخسوف القمري إلى تفاعل ضوء الشمس مع الغلاف الجوي للأرض. فحين يخترق الضوء الغلاف الجوي ويتعرض لتشتت رايلي، يميل الضوء المنفلت من حافة الغلاف الجوي إلى أطوال موجية حمراء، فينعكس على سطح القمر عندما تحجب الأرض جزءًا كبيرًا من أشعة الشمس المباشرة عنه. لذلك قد يبدو القمر، وهو داخل منطقة الظل، كأنه يتحول إلى قرص دموي في صور المراقبين.
وخلال الحدث، سارع مصورون هواة وموثّقون فلكيون إلى التقاط سلسلة من اللقطات التي توضح مراحل الخسوف وتفاصيل سطح القمر وهو يتحول بصريًا من “القمر المكتمل” إلى “قمر مغطى بالظل”. وفي أبرز الأمثلة التي تم تداولها:
– التقط روبرت نيميتي من قرية زويتا في المجر لحظة بدء حجب ظل الأرض لجزء من قرص القمر، حيث ظهرت فوهة تيكو قرب منطقة الظل، كما بدت مناطق البحار القمرية المظلمة أكثر وضوحًا بفعل تباين الإضاءة، فيما كشفت الأشعة عن معالم سطحية مرتبطة بقدم تضاريس القمر.
– في لقطة ذات طابع تاريخي، ظهر القمر إلى جانب البارثينون في أثينا، لتبدو كروية الأرض كخط منحنٍ على قرص القمر أثناء الخسوف، في تذكير بمدى العلاقة بين الملاحظة الفلكية وتطور الأفكار العلمية منذ العصور القديمة.
– في صقلية، ابتكر جوزيبي بابا صورة مركبة رصد فيها ظل الأرض وهو يعبر سطح القمر خلال المرحلة الجزئية، مستخدمًا كاميرا Canon 760D وعدسة 300 مم، فتبرز بحار القمر القاتمة ضمن الجزء المتبقي المضىء بنور الشمس.
– وفي إسطنبول، وثّق عيسى تيرلي خسوفًا جزئيًا من منظور جوي فوق مسجد السليمانية، بينما تمكن كيفن مكارثي من تصوير القمر بلون أحمر قانٍ في ولاية كارولاينا الشمالية بعد تقلبات جوية، مع إشارة واضحة إلى أن انقشاع الغيوم في اللحظة الأخيرة كان كافيًا لالتقاط المشهد.
– أما في المملكة المتحدة، فقد التقط جوش دوري صورة مباشرة لقرص القمر نفسه قبل الفجر، حيث أكد أن الضباب المفاجئ كان سببًا محتملاً لفقدان اللقطة، لكن تحركه قرب ذروة الظل مكّنه من التقاط صورة دقيقة للون الأحمر.
– في البرازيل (ريو دي جانيرو)، أظهرت صورة لماورو بيمينتل هلالًا رقيقًا من قرص القمر وهو في مرحلة تعرض فيها جزءه للضوء المباشر، مع وضوح اللون القرمزي الذي يمنح انطباع “القمر الدموي”.
– وفي مدينة فينيكس بولاية أريزونا، قدمت كوهينور كار توثيقًا مركبًا لتحول القمر من “قمر الحفش/الكامل” إلى مظهر دموي شبه محجوب، كذلك التقط لورينزو دي كولا القمر وهو يضيء قرب قلعة روكا كالاشيو في كالاشيو بإيطاليا، بينما كان ظل الأرض يتراجع بعد ذروة الخسوف.
– ومن مدريد بإسبانيا، التقط أنخيل مارتينيز المشهد الذي يبدو فيه القمر كأنه يغرب خلف ناطحات السحاب، مع تأثيرات جوية شوهت—بشكل جمالي—الألوان وحدود القرص مقارنة بالرؤية البصرية المباشرة.
وللمتابعين الذين يرغبون بتخطيط رصدهم مسبقًا، تشير التوقعات إلى أن خسوفًا قمريًا أعظم/مهمًا مماثلًا لن يحدث حتى ليلة رأس السنة في ديسمبر 2028. ومن المتوقع أن يشكّل الحدث القادم صورة لافتة، حيث سيؤثر على رؤية “قمر الأرض” لما يقارب 5.3 مليار شخص في آسيا وأستراليا والمحيط الهادئ، بالإضافة إلى أجزاء من أوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة، ما يجعله موعدًا محوريًا لهواة الفلك والتصوير.
تُثبت هذه الصور من مختلف القارات أن الخسوف القمري، رغم كونه ظاهرة فلكية ثابتة من حيث المبدأ، يظل كل مرة تجربة بصرية مختلفة بسبب عوامل الطقس، وزاوية الرؤية، والتباين بين ضوء القمر ومحيطه. فإذا كنت ستراقب أي خسوف قادم، فالأفضل اختيار موقع مرتفع نسبيًا وتقليل التلوث الضوئي قدر الإمكان، واستخدام وضع تصوير مناسب لالتقاط مراحل الخسوف بدقة مع التركيز على الذروة عندما يصبح “اللون الأحمر” أوضح ما يمكن.

التعليقات