التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف الأسبق، أن مسألة تقاضي الأجر على تعليم القرآن الكريم والظهور في الابتهالات والبرامج الدينية تُعد من القضايا التي تحكمها السعة واليسر الشرعي، مع مراعاة الظروف المعيشية والتكليفية لمن يقومون بخدمة القرآن والمشاركة في النشاط الديني. وأوضح أن الأجر لا يكون تشريفًا مجانيًا بقدر ما هو مقابل حبس الوقت وتغطية تكاليف الانتقال وما يرتبط بذلك من أعباء وجهد.

وفي تصريحات تلفزيونية، بيّن الدكتور جمعة أن القراء والمبتهلين يتوزعون إلى فئتين: فئة تختار الاحتساب والتبرع بعملها لله تعالى، وهو باب فضل عظيم لا غنى عنه، وفئة أخرى تطلب أجرًا لتغطية متطلبات حياتها من معيشة، ولتغطية تكاليف الانتقال والالتزامات المرتبطة بالتكليفات الدينية، مؤكدًا أن هذا الطلب جائز شرعًا ولا ينقص من قدر من يقوم به، لأن مناط الأمر هو بذل الجهد وتخصيص الوقت.

واستند وزير الأوقاف السابق إلى ما قرره فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر الأسبق، وأحد أعلام العلم، حيث أشار إلى أن منع الأجر عن معلم القرآن قد يؤدي إلى انصراف كثيرين عن تعليم القرآن، وهو ما يضعف استمرار الرسالة ويحرم المجتمع من ثمار تعليم الكتاب العزيز. كما شدد على أن كفاية معلم القرآن وإكرامه واجب مقصود يضمن الاستمرارية ويحفظ كرامة من يحملون همّ التعليم والدعوة.

ومن جهة تنظيم العلاقة بين الجهات المنظمة والضيوف، أكد الدكتور جمعة أن العلاقة قائمة على الخيار والتراضي. فإذا استضافت جهة إعلامية أو منظمو نشاط ديني مبتهلًا أو قارئًا ضمن ميزانية متاحة، فإن ذلك يتم وفق التفاهم بين الطرفين. ولا يُلقى اللوم على من لا تتيسر له ظروف الاحتساب، أو من يرى أن عليه تحملًا لتكاليف الانتقال التي لا بد منها. ووفق هذا التصور، فإن الاحتساب قرار ذاتي ينبع من الشخص نفسه ولا يُفرض على أحد.

وأضاف أن تخصيص الرواتب والأجور المجزية لمعلمي القرآن الكريم يُعد من أفضل أبواب الإكرام، لأنه يشجع النشء على الإقبال على كتاب الله، ويعين المعلمين على التفرغ لرسالتهم، ويضمن انتظام العمل التعليمي بدل تذبذبه بسبب الضغوط المعيشية. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن العمل التطوعي والتقرب إلى الله بالطاعة باب مبارك لكل من وسّع الله عليه، لكنه ليس معيارًا إلزاميًا، إذ يظل طلب الأجر مقابل التفرغ وتكاليف الانتقال حقًا لا يصح أن يتحول إلى موضوع تجريح أو نقد.

ويُفهم من هذا الطرح أن معيار المسألة ليس في “الأجر” بحد ذاته، بل في النية والعوض العادل والضوابط التي تمنع الاستغلال أو تحويل تعليم القرآن إلى تجارة بلا ضابط. فكما أن الاحتساب فضيلة، فإن تعويض الجهد وتحمّل التكاليف يعد عدلًا إنسانيًا يعكس تقدير خدمة القرآن وحفظ حق العامل في الوقت والجهد.

وبذلك، تؤكد الرؤية الشرعية أن الباب فيه سعة كاملة؛ من شاء احتسب ومن شاء أخذ مقابل جهده بما يحقق العدالة ويضمن الاستمرار، مع بقاء احترام الجميع وصدق النية مقصدًا أساسيًا في كل صور خدمة كتاب الله.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *