نظمت مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث محاضرة علمية وتوعوية استثنائية بعنوان «الآثار المغمورة بالمياه .. أسرار حضارة غارقة» بمركز إبداع قصر الأمير طاز بحي الخليفة، ضمن برامجها الثقافية المستمرة لتعزيز الوعي الأثري وتشجيع فهم أعمق للتاريخ المدفون في أعماق البحار. وقد شهدت الندوة حضوراً نخبوياً حاشداً من قيادات وزارة السياحة والآثار، إلى جانب الأكاديميين ولفيف من المتخصصين وعشاق التراث المصري.
افتُتحت الفعالية بحضور الدكتور محمد شعبان، معاون وزير السياحة والآثار للخدمات الرقمية والتحول الرقمي، والدكتور جمال مصطفى مستشار الأمين العام للآثار الإسلامية، والدكتور ضياء زهران رئيس قطاع الآثار الإسلامية، والدكتور محمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية، والدكتورة نشوى جابر نائب رئيس متحف الحضارة، وسعيد شبل رئيس قطاع تسجيل الآثار، والدكتور مؤمن سعد مدير عام الإدارة العامة للرقابة علي المنافذ الأثرية، والدكتور إسلام سليم مدير عام إدارة الغوص والأنشطة البحرية بوزارة السياحة والآثار، إضافة إلى حضور عدد من الأثريين والمتخصصين.
وتولى تقديم المحاضرة الدكتور أحمد رحيمة، معاون وزير السياحة والآثار والمشرف العام على وحدة التدريب المركزي، حيث قدم عرضاً معرفياً يأخذ الحضور في رحلة تاريخية وعلمية إلى عالم الآثار المغمورة بالمياه، موضحاً ماهية هذا التخصص وكيف تطورت أدواته العلمية مع الوقت. كما ركز على شرح نشأة علم الآثار المغمورة بالمياه بوصفه أحد فروع علم الآثار الذي يجمع بين المعرفة الأثرية والتقنيات البحرية، مع تسليط الضوء على التحديات اللوجستية والفنية التي تواجه الفرق البحثية تحت سطح الماء، مثل صعوبة تحديد المواقع بدقة في البيئات المائية، وتأثير العوامل الطبيعية على المواد الأثرية، والحاجة إلى إجراءات سلامة صارمة للغواصين والفرق الفنية.
وفي سياق توعوي مهم، تناولت المحاضرة تصحيح المفاهيم المغلوطة الشائعة حول الآثار المغمورة بالمياه، مؤكدة أن الكشف عنها ليس مجرد غوص انتقائي أو بحث عشوائي، بل عملية علمية محكمة تبدأ بالرصد والمسح وتوثيق البيانات ثم الانتقال لخطط الترميم والحفظ وفق بروتوكولات متخصصة. كما استعرضت المحاور الأساسية التي يعتمد عليها الباحثون، مثل تحديد الموقع، ورسم الخرائط، وتوثيق اللقطات والبيانات، وتحليل النتائج قبل أي تدخل.
بعد ذلك انتقل العرض إلى نماذج عالمية مختصرة لأبرز مواقع الآثار المغمورة بالمياه حول العالم، لتوضيح تنوع البيئات المائية التي يمكن أن تختبئ بداخلها آثار تعود لفترات مختلفة، ثم انتقل إلى الشأن المحلي عبر تسليط الضوء على الريادة المصرية في هذا المجال. وقد تناولت المحاضرة بدايات اكتشاف الآثار المغمورة في مصر، والقصص التاريخية المرتبطة بعمليات البحث والتوثيق، مع الإشارة إلى أمثلة لمناطق غنية بالمواقع الأثرية تحت الماء على السواحل المصرية.
ومن خلال الأمثلة التي استعرضها المحاضر، تم التأكيد على أن السواحل المصرية—وخاصة في مناطق الإسكندرية والساحل الشمالي وبحر الأحمر—تضم شواهد حية على حقب تاريخية متعاقبة، إذ يمكن أن تعكس المواقع المغمورة تطور الملاحة والتجارة والعلاقات بين الحضارات، كما تسهم في فهم طبيعة الموانئ القديمة ومسارات السفن عبر العصور الفرعونية والبطلمية والرومانية.
وعلى جانب الحماية والصون، اختتمت المحاضرة بمسح تحليلي للجهود المؤسسية المستمرة للدولة المصرية في الكشف عن الآثار المغمورة بالمياه وتوثيقها، مع شرح أهمية تطبيق آليات تكنولوجية حديثة تضمن الحفاظ على القيمة التاريخية للمواقع وتقليل المخاطر المرتبطة بالتدخل المباشر. كما تم التطرق إلى أجهزة المسح الصوتي والراداري، ودورها في تحديد المعالم ورسم خرائط دقيقة، بما يدعم اتخاذ قرارات علمية لاحقة بشأن الحفظ والترميم، ويرسخ مفهوم أن هذه الشواهد جزء من الإرث الحضاري الإنساني الذي يتطلب صوناً مستمراً.
وتعد هذه الفعالية خطوة ضمن مسار نشر المعرفة بين المتخصصين والجمهور، وتساهم في رفع الوعي بأهمية الاستثمار في التدريب والبحث العلمي والتقنيات البحرية الحديثة، بما يضمن مستقبلًا أفضل لجهود حماية الآثار المغمورة بالمياه في مصر.

التعليقات