قال الدكتور محمد باغة، أستاذ التمويل والاستثمار، إن التحسن الملحوظ في سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار لا يمكن تفسيره فقط بانخفاض سعر العملة الأمريكية، بل يرتبط بصورة أساسية بتغيرات نسبية في ميزان العرض والطلب على العملة الأجنبية داخل السوق المصرية.
وأوضح خلال مداخلة مع الإعلامية أميمة تمام عبر قناة القاهرة الإخبارية أن الدولار يواجه تراجعًا في الطلب من جانب المضاربين، سواء بهدف التحوط أو لتحقيق أرباح قصيرة الأجل. ونتيجة لذلك قد يتجه بعض حائزي الدولار إلى البيع، ما ينعكس على سعر الصرف في اتجاه داعم للجنيه. كما أشار إلى أن مرونة سوق الصرف تحسنت خلال السنوات الأخيرة بفعل الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي، وهو ما يجعل حركة الأسعار أكثر ارتباطًا بالمعطيات الفعلية للسوق بدلًا من كونها مرتبطة بعوامل خارجية فقط.
وبيّن باغة أن جزءًا من قوة الجنيه قد يكون مرتبطًا أيضًا بتغير نظرة بعض المتعاملين إلى الدولار بوصفه “رهانًا مضمونًا” على الارتفاع. فحين تتراجع درجة الاقتناع بأن الدولار سيواصل الصعود بشكل متسارع، تقل شهية الطلب عليه، ويزداد الميل إلى الاحتفاظ بالجنيه أو تحويل جزء من المراكز إلى أدوات محلية.
ولتعزيز الصورة الاستثمارية، أشار إلى أن توصيات صادرة عن مؤسسات استثمارية مثل مورجان ستانلي قد دفعت بعض المستثمرين للنظر في الاستحواذ على أذون الخزانة المصرية باعتبارها أداة جذب لعوائد أعلى مقارنة بمخاطر تقلبات سعر الصرف. وهنا يصبح قرار المستثمر ليس فقط “أي عملة أفضل؟” بل “أي خيار يحقق عائدًا أعلى مع مستوى مخاطرة مقبول؟”.
وأضاف أن الاقتصاد المصري يمتلك عددًا متزايدًا من المصادر البديلة للعملة الأجنبية، ومن بينها تحسن تدفقات النقد الأجنبي من تحويلات المصريين بالخارج والسياحة والاستثمارات وغيرها من القنوات. وعندما يدخل الدولار إلى الجهاز المصرفي بشكل أكثر انتظامًا، تقل الحاجة إلى الضغط على السوق بهدف الحفاظ على مستويات سعرية محددة.
وأكد أن تكلفة الاحتفاظ بالدولار ترتفع مع ارتفاع أسعار الفائدة على الجنيه، لأن العائد المتاح على أدوات الدين بالعملة المحلية يصبح أعلى نسبيًا، ومع عدم وجود توقعات قوية بارتفاع كبير في سعر الدولار، قد يفضل جزء من المستثمرين الاحتفاظ بالجنيه بدلًا من الدولار.
وأشار كذلك إلى أن السوق المصرية بدأت تختبر مستوى 50 جنيهًا للدولار. وذكر أن السعر سجل خلال تعاملات اليوم 50 جنيهًا و35 قرشًا قبل أن تشير البيانات الرسمية إلى وصوله إلى نحو 49 جنيهًا. واعتبر باغة هذا المستوى “اختبارًا نفسيًا واقتصاديًا” لأن أرقامًا محددة مثل 50 جنيهًا تظل عتبة مؤثرة في توقعات المتعاملين.
وختم بأن كسر مستوى 50 جنيهًا بصورة مستدامة قد يؤدي إلى تغير في توقعات السوق واتجاهات التسعير، بينما الارتداد السريع يعني أن الحركة قد تكون أقرب إلى تصحيح أو إعادة تسعير مؤقتة وليست تغييرًا دائمًا في المسار.
وتشير هذه القراءة إلى أن تحسن الجنيه أمام الدولار يتغذى من تفاعل عدة عوامل في آن واحد: تراجع الطلب المضاربي على الدولار، تحسن انتظام تدفقات العملة الأجنبية، وتزايد منافسة العائد على الجنيه بفعل ارتفاع الفائدة، إضافة إلى تطور مرونة سوق الصرف وتغير توقعات المتعاملين.

التعليقات