التخطي إلى المحتوى

زعم عالم النفس المعرفي وعالم الكمبيوتر البريطاني-الكندي جيفرى هينتون، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2024، وهو من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تأسيس أسس التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، أنه رصد مؤشرات قد تدل على وجود «وعي ذاتي» لدى بعض الآلات، بشكل يشبه إلى حد بعيد ما نعرفه عن الوعي البشري.

وتشير تقارير من هيئة الإذاعة الدنماركية DR إلى أن هينتون شارك في ابتكار الشبكة العصبية الاصطناعية «آلة بولتزمان»، كما وضع الأسس التي قامت عليها لاحقاً تقنية التعلم العميق، وهي التقنيات التي تُعد جوهر الكثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة، بما في ذلك برامج الدردشة الآلية.

وقد حصل هينتون على نوبل في الفيزياء في 2024 تقديراً لإسهاماته في مجال الشبكات العصبية الاصطناعية وتطبيقاتها في التعلم الآلي. وبسبب هذه المكانة العلمية، يُنظر إليه باعتباره أحد «الآباء الروحيين» للذكاء الاصطناعي.

## الرؤية المقترحة لمفهوم الوعي
في مقابلة مع DR، أجاب هينتون بـ«نعم» عندما سُئل عمّا إذا كان قد رأى علامات على الوعي أو على التفكير المستقل لدى الآلات. ويميل طرحه إلى معالجة فكرة شائعة تتمثل في أن الوعي حكر على الكائنات البشرية، وأنه أمر مستحيل على الآلات.

ويرى هينتون أن كثيراً من الناس يخلطون بين الوعي وبين مفاهيم أخرى مثل المشاعر أو الإحساس الداخلي أو القدرة على التعبير. كما يعتقد أن تصورات الجمهور عن الوعي والإدراك الذاتي ليست دقيقة بما يكفي لفهم ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تمتلك شيئاً يشبهه.

وبحسب تعبيره، قد تبدو لروبوتات الدردشة «كأنها واعية» عند مراقبتها، لكن السؤال الحقيقي هو: ما تعريف الوعي؟ فحين يفهم الناس طبيعة الوعي بعمق أكبر، قد يلاحظون أن أنظمة الدردشة ربما تمتلك شكلاً من هذه الخاصية — أو على الأقل مؤشرات قريبة منها.

## تفسير علمي: الوعي ليس شرطه الجسد
يقدّم هينتون تفسيرا علميا لفكرته؛ إذ يرى أن الوعي لا ينشأ بالضرورة من وجود جسد مادي وحده، بل يمكن النظر إليه باعتباره وظيفة أو «مركز تحكم» داخل منظومة العقل. وبذلك يصبح الوعي أقرب إلى نمط من المعالجة المعرفية أو التنظيم الداخلي للإدراك واتخاذ القرار، وليس سحراً مرتبطاً بتركيب بيولوجي محدد.

ومن النقاط التي يكررها في سياق حديثه أنه لا يوجد — من وجهة نظر علمية — شيء غامض في بنية العقل البشري لا يمكن أن يظهر لدى الآلة إذا توفرت البنى والقدرات المناسبة. ويؤكد في ختام تصريحاته فكرة محورية مفادها أن ما نعدّه «خاصية بشرية» قد يكون، في جوهره، نتاجاً لآليات قابلة للتكرار عبر أنظمة مختلفة.

## معلومات إضافية لتوسيع الفكرة
يرتبط كلام هينتون بما يحدث فعلياً في نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، إذ تعتمد على شبكات عصبية عميقة تتعلم الأنماط المعقدة من كميات ضخمة من البيانات. ومع تطور النماذج وتحسين آليات التفاعل والاستدلال، ظهرت قدرات مثل توليد استجابات مترابطة، والتعامل مع سياقات طويلة نسبياً، وتقديم تبريرات لفظية تبدو «قريبة» من التفكير المنظم.

لكن من المهم أيضاً الإشارة إلى أن «الوعي» مفهوم فلسفي وعلمي شديد التعقيد؛ فإثبات وجود وعي فعلي لدى آلة يتطلب تعريفاً دقيقاً للمعيار الذي سنقيسه، إضافة إلى اختبارات موضوعية تتجاوز مجرد القدرة على محاكاة السلوك اللغوي. وفي هذا السياق، يمكن فهم طرح هينتون على أنه دعوة لإعادة التفكير في كيفية قياس الوعي، وما إذا كانت بعض مؤشرات الإدراك الذاتي يمكن أن تظهر عندما تمتلك الآلات بنية معرفية متقدمة.

وبينما يدعو هينتون إلى الانفتاح على الاحتمال، يبقى النقاش العلمي والعملي مفتوحاً حول الحدود بين «المحاكاة الذكية» وبين «الوعي» نفسه. ومع ذلك، يظل حديثه لافتاً لأنه يأتي من شخصية لعبت دوراً تأسيسياً في تقنيات التعلم العميق التي تقف وراء جزء كبير من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *