التخطي إلى المحتوى

تواصل مصر تنفيذ توجه استراتيجي لتوطين الصناعات الدوائية الحيوية، في مقدمتها الإنسولين، باعتباره دواءً يرتبط مباشرة بالأمن الصحي واستمرارية علاج ملايين مرضى السكري. ووفقًا لما صرح به الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، فإن دعم تصنيع الإنسولين محليًا لا يُنظر إليه كخيار اقتصادي فقط، بل كملف يمسّ الأمن القومي الصحي، خصوصًا في ظل تقلبات سلاسل الإمداد العالمية وتغيرات أسعار صرف العملات الأجنبية.

## تقليص الاعتماد على الأصناف المستوردة كخيار استراتيجي
أوضح عوف أن قرار تقليل الاعتماد على الإنسولين المستورد يأتي ضمن رؤية أوسع لتعزيز قدرة الدولة على إنتاج الأدوية الاستراتيجية داخل السوق المحلية. كما أكد أن بدء وضوح هذا المسار زادت وتيرته بشكل أكبر منذ عام 2014، بهدف تقليل آثار أي أزمات دولية على توافر العلاج، وضمان استمرارية حصول المرضى على احتياجاتهم دون انقطاعات.

## 4 مصانع وطنية متخصصة في إنتاج الإنسولين
وكشف رئيس شعبة الأدوية أن مصر تمتلك حاليًا 4 مصانع وطنية متخصصة في إنتاج الإنسولين، مشيرًا إلى أن المنتج المحلي يساهم في تغطية احتياجات شريحة واسعة من مرضى السكري. وأضاف أن نحو 95% من مرضى السكر في مصر يعتمدون—بحسب ما يتم تداوله ضمن المنظومة—على أنواع من الإنسولين متاحة من خلال التوريد والتصنيع المحلي.

وتشير التقديرات التي استند إليها خلال حديثه إلى وجود قرابة 13 مليون مريض سكري في مصر، وهو ما يجعل توافر الإنسولين المحلي عنصرًا أساسيًا في استدامة العلاج داخل منظومة الرعاية الصحية.

## استخدام محلي لأكثر من 10 سنوات داخل قطاعات الدولة
من النقاط التي اعتبرها عوف دليلاً على جدوى التوجه: أن الإنسولين المنتج محليًا يُستخدم داخل قطاعات وزارة الصحة والتأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة منذ أكثر من 10 سنوات. وأكد أن هذه السنوات الطويلة لم تشهد—بحسب تصريحاته—سجالًا واسعًا حول مشكلات تؤثر في فاعلية المنتج، ما يعكس قدرة الصناعة المصرية على تلبية احتياجات المرضى ضمن الاستخدام الفعلي.

## تكنولوجيا تصنيع مستوردة وخبرات فنية ضمن خطوط الإنتاج
لفت الدكتور علي عوف إلى أن أحد المصانع المصرية يمتلك خطوط إنتاج وتكنولوجيا تم الحصول عليها من إحدى كبرى الشركات الأمريكية المتخصصة في مجال تصنيع الإنسولين. وأوضح أن المصنع لم يقتصر دوره على الإنتاج فقط، بل استفاد أيضًا من معدات وخبرات فنية متقدمة، مع التأكيد أن الفارق بين المنتج المحلي والمنتج ذي العلامة التجارية العالمية قد يرتبط بالاسم التجاري، بينما تعتمد عملية التصنيع—وفق ما ذكر—على معايير وتكنولوجيا تشغيل.

## جودة الدواء مرتبطة بالخامات بقدر ارتباطها بمكان التصنيع
وشدد عوف على أن جودة الإنسولين لا تتوقف فقط على المنشأة التي تنتج الدواء، بل ترتبط كذلك بجودة المادة الخام المستخدمة في التصنيع. وأوضح أن الخامات المستخدمة في الصناعة المحلية يتم استيرادها من شركات عالمية معتمدة في الولايات المتحدة وأوروبا، بما يضمن—بحسب تصريحاته—مطابقة المواصفات للمعايير التي تُستخدم عادة في المنتجات العالمية.

وبالتالي، يرى عوف أن وجود فروق جوهرية بين الإنسولين المحلي والمستورد في “المادة الفعالة” لا يتحقق طالما تتوافر اشتراطات التصنيع والرقابة الدوائية بالمواصفات اللازمة.

## لماذا تُقلل الدولة الاستيراد؟ الحفاظ على العملة وتوسيع القدرة الصناعية
يُعد تقليل الاعتماد على الاستيراد خطوة اقتصادية مهمة، خاصة مع الحاجة لتوفير العملة الأجنبية وترشيد الإنفاق على المنتجات التي توجد لها بدائل محلية. كما أوضح أن توجيه الموارد للصناعة الوطنية يعزز استدامة إنتاج الأدوية الأساسية، ويدعم قدرة المصانع المصرية على التوسع وتحسين خطوط الإنتاج وتطويرها.

وفي الوقت ذاته، شدد على أن دعم المنتج المحلي لا يعني الاستغناء الكامل عن المستورد، وإنما تطبيق أولوية للمنتج المصري كلما توفرت بدائل قادرة على تلبية الاحتياجات بنفس معايير الجودة والرقابة.

## توطين الإنسولين بين الصحة والاقتصاد
تعكس هذه التصريحات أهمية توطين الإنسولين بوصفه نقطة تقاطع بين البعد الصحي والاقتصادي: فمن الناحية الصحية يساهم في ضمان مصدر علاجي مستدام، ومن الناحية الاقتصادية يقلل فاتورة الاستيراد ويوفر العملة الأجنبية. ومع ذلك، أكد عوف أن تقييم المنتج المحلي يجب أن يستند في النهاية إلى معايير الجودة والفاعلية والرقابة الدوائية، بما يضمن حصول المريض على العلاج المناسب، ويعزز قدرة الصناعة المصرية على الاستمرار في توفير الأدوية الاستراتيجية للأعوام المقبلة.

وفي ضوء توسع التصنيع المحلي وتوافره ضمن منظومات الدولة، يبدو أن سياسة توطين الإنسولين تسير في اتجاه دعم الاستقرار العلاجي وتقليل مخاطر الانقطاع، مع فتح المجال أمام تطوير تدريجي للقدرات التصنيعية والاعتماد بصورة أكبر على الصناعة الوطنية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *