شهد سوق الدواء المصري تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، انعكس على تراجع واضح في عدد الأدوية الناقصة داخل الأسواق، بالتزامن مع مساعٍ مشتركة لدعم الإنتاج المحلي ورفع كفاءة المصانع وزيادة قدرة منظومة التوريد على الاستجابة لاحتياجات المرضى.
انخفاض استثنائي في نواقص الأدوية خلال عامين
وفي هذا السياق، أكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن عدد الأدوية التي كانت تعاني نقصًا تراجع بشكل كبير؛ إذ انخفضت من نحو 3000 دواء خلال عام 2024 إلى قرابة 200 دواء في عام 2026، ما يعكس اقتراب السوق من معدلات النقص الطبيعية المألوفة عالميًا في ظروف اضطراب سلاسل الإمداد.
وأوضح أن هذه المؤشرات تُعد تحولًا إيجابيًا مقارنةً بالفترات السابقة، حيث ارتبطت الأزمات بظروف تمويل وتوريد وضغوط على تكاليف الإنتاج وسعر الصرف، قبل أن تظهر بوادر استقرار أدت إلى تحسين توافر المستحضرات الأساسية.
استقرار الدولار عامل محوري في استقرار الأسعار والتوافر
وأشار «عوف» إلى أن استقرار سعر صرف الدولار يُعد عاملًا رئيسيًا في الحفاظ على استقرار أسعار الدواء خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا أن تحركات السوق السعرية الأخيرة—بالتزامن مع ثبات سعر الصرف—تقلل احتمالات الحاجة إلى زيادات جديدة على الأسعار.
كما توقع استمرار حالة الاستقرار حتى الربع الأول من عام 2027، بشرط بقاء سعر الدولار ضمن نطاق آمن وعدم تجاوزه مستوى 55 جنيهًا، لأن تجاوز هذا المستوى قد ينعكس مباشرة على تكلفة المدخلات المستوردة كالمواد الخام وبعض مكونات التصنيع.
دعم التصنيع المحلي: خراطيم وأقلام إنسولين مجانًا
ومن بين الإجراءات التي اتخذتها المصانع الوطنية لتسهيل وصول المرضى للمنتجات المحلية، لفت رئيس شعبة الأدوية إلى توفير خراطيم وأقلام الإنسولين مجانًا مع المنتجات المنتجة محليًا. وتأتي هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدعم المرضى وتقليل أعباء الحصول على الأدوية الحيوية، فضلًا عن تعزيز ثقة السوق في البدائل المحلية.
كما شدد على أن الهدف ليس فقط توفير الدواء، بل أيضًا ضمان سهولة الاستخدام للمريض، بما ينعكس على الاستمرارية العلاجية ويحد من المخاطر الصحية المرتبطة بتأخر الجرعات أو الانقطاع.
دور هيئة الدواء والخط الساخن 15301
وأكد «عوف» كذلك أهمية الخط الساخن لهيئة الدواء المصرية (15301) في مساعدة المرضى على معرفة أماكن توافر الأدوية الحيوية وإرشادهم إلى الصيدليات أو المنافذ المناسبة. وتُعد هذه الخدمة—وفقًا للطرح—حلًا عمليًا لمعالجة جزء من مشكلات التوزيع وتحسين استجابة المنظومة لحالات النقص.
البيروقراطية تهدد حلم 3 مليارات دولار صادرات دوائية
رغم التحسن في السوق المحلي، شدد رئيس شعبة الأدوية على أن أمام الصناعة تحديات قد تؤثر في نموها وخطط توسعها الخارجي، أبرزها بطء إجراءات تسجيل الأدوية لدى هيئة الدواء وما يرتبط بها من متطلبات تنظيمية ولوجستية.
وأوضح أن هذه التعقيدات تمثل عائقًا أمام تحقيق مستهدف الدولة للوصول بصادرات الدواء إلى 3 مليارات دولار بحلول عام 2030. وبيّن أن تسريع التسجيل وتبسيط المتطلبات وتوحيد مسارات العمل بين الجهات المختلفة قد يختصر الوقت والتكلفة، ويساعد الشركات على التوسع في أسواق أكثر، خصوصًا في الدول التي تحتاج بدائل دوائية موثوقة وسريعة التوريد.
180 مصنعًا قاعدة للتوسع والمنافسة
ولتعزيز فرص النمو، دعا «عوف» إلى تكثيف التنسيق بين الجهات المعنية بقطاع الدواء وإزالة المعوقات التي تواجه المصانع والشركات. وأشار إلى وجود نحو 180 مصنعًا للدواء في مصر، بما يمثل امتدادًا لتاريخ صناعي طويل وبنية تحتية تتيح المنافسة إقليميًا ودوليًا، شرط استمرار دعم الاستقرار التنظيمي والمالي وتحسين سلاسل الإمداد.
التسعير المرن: توازن بين استمرارية المصانع وحماية المواطن
طرح رئيس شعبة الأدوية مقترحًا لتطبيق آلية «التسعير المرن» بدلًا من الاعتماد على التسعير الجبري الصارم أو ترك الأسعار للسوق الحرة. ويستهدف مفهوم التسعير المرن أن تكون الأسعار خاضعة لرقابة الدولة وهيئة الدواء، مع مراعاة المتغيرات التي تؤثر في تكلفة إنتاج الدواء.
وأوضح أن الآلية المقترحة يجب أن تأخذ في الاعتبار عوامل مثل سعر الصرف ومعدلات التضخم وأسعار الفائدة على القروض البنكية، بهدف تحقيق توازن: الحفاظ على استمرارية خطوط الإنتاج وتشجيع الشركات على ضخ استثمارات جديدة، وفي الوقت ذاته ضمان وصول المواطن لدواء آمن وبسعر عادل.
آفاق استثمارات جديدة في أدوية الأورام والمستحضرات البيولوجية
يرى «عوف» أن استقرار منظومة التسعير يسهم في خلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار داخل قطاع الدواء، خصوصًا في المجالات عالية التكلفة والتكنولوجيا مثل أدوية الأورام والمستحضرات البيولوجية. وأكد أن تبني نموذج تسعير أكثر مرونة قد يدعم التوسع في التصنيع بهذه المجالات، بما يقلل الاعتماد على المنتجات المستوردة ويرفع القدرة التنافسية للصناعة المصرية.
وفي مجملها، تعكس التحركات الحالية اتجاهًا نحو تثبيت المكتسبات في توافر الدواء محليًا، مع التركيز على إصلاحات تنظيمية واقتصادية تساعد الصناعة على التوسع الخارجي وجذب استثمارات نوعية، وصولًا لهدف دعم صادرات دواء مصر خلال السنوات المقبلة.

التعليقات