أكد الدكتور مصطفى عبد السلام، إمام وخطيب مسجد عمرو بن العاص، أن تربية الأبناء تُعد من أعظم وأثمن المشاريع التي يشرع فيها الإنسان، لما تحمله من أجرٍ أخرويٍ وثمرةٍ دنيويةٍ تنعكس على الوالدين قبل الأبناء. وأوضح أن نجاح الوالدين في هذا المشروع هو استثمارٌ أخلاقي يثمر طمأنينةً ورضاً، ويجعل الأبناء سنداً وبركة في الحياة وبعد الممات.
وأشار خلال لقائه مع الإعلامية لمياء فهمي عبد الحميد في برنامج «الدنيا بخير» على قناة «الحياة» إلى أن الأجيال السابقة استطاعت أن تقدم نموذجاً تربوياً ناجحاً رغم محدودية فرص التعليم النظامي أو المؤهلات الأكاديمية، وذلك بفضل اعتمادها على الفطرة السليمة والقيم الراسخة والقدوة العملية داخل الأسرة. وبيّن أن أساس التربية لا يقوم على الكمّ من المعلومات فقط، بل على جودة الممارسة التربوية وعمق الالتزام الأخلاقي.
ولفت الدكتور مصطفى عبد السلام إلى ضرورة التمييز بين الرعاية والتربية؛ فالرعاية تتعلق بتوفير الحاجات الأساسية مثل الطعام والشراب والملبس وتلبية المتطلبات المادية. أما التربية في مفهومها الإسلامي فهي أوسع نطاقاً، وتشمل بناء شخصية الطفل من جميع الجوانب: العقل عبر تنمية التفكير وتنظيم المعرفة وترسيخ السلوك القويم، والروح عبر غرس القيم الإيمانية وتعزيز الارتباط بالله. كما تتضمن التربية الاهتمام ببدن الطفل من خلال العناية بالصحة والنشاط، إلى جانب المتابعة المستمرة لسلوكه وغرس العادات الحسنة.
وأضاف أن التربية لا تُختزل في المواعظ أو الكلمات المؤقتة، بل تحتاج إلى خطة عملية داخل البيت: إشراك الطفل في نمط الحياة الإيجابي، وتعويده على النظام والصدق واحترام الآخرين، وربط التربية بالقدوة؛ لأن الأب والأم هما أول مدرسة يتعلم منها الطفل. كما شدد على أهمية الحوار الهادئ وفهم نفسية الطفل وعدم الاكتفاء بأوامر جافة، مع مراعاة الفروق العمرية واستخدام أساليب مناسبة لكل مرحلة.
ودعا خطيب مسجد عمرو بن العاص الآباء والأمهات إلى استشعار مسؤولية التنشئة بوصفها رسالة وأمانة، تتطلب جهداً مستمراً ووعياً بالتأثير العميق لتصرفاتهم اليومية على الأبناء. فكل كلمة وقرار وتصرّف داخل الأسرة يمكن أن يبني أو يهدم، لذلك فإن التربية الواعية تُنتج جيلاً صالحاً يحقق للنفس معنى الطمأنينة، ويمنح الوالدين خيراً في الدنيا والآخرة.
وختم حديثه بالتأكيد على أن نجاح الوالدين في بناء العقل والوجدان معاً—إلى جانب رعاية الجسد—يحول التربية إلى مشروع متكامل؛ يرسخ القيم، ويقوي الانتماء، ويمنح الأسرة توازناً وسكينة، ويجعل ثمار التربية مستمرة لسنوات طويلة وتمتد أثرها بعد رحيل الأبناء إلى دعاءٍ وذكرٍ حسن.

التعليقات