التخطي إلى المحتوى

سجّلت أسعار النفط الخام مكاسب أسبوعية في الأسواق الآجلة، مدفوعة بانحسار حدة التوترات الجيوسياسية في بعض مناطق العالم، بينما ظلّت علاوة المخاطر مرتفعة بفعل بواعث قلق تتعلق باستقرار الإمدادات. وارتفع خام برنت بنحو 5.9% خلال الأسبوع، مقابل مكاسب تقارب 5.4% لخام غرب تكساس، في إشارة إلى أن السوق تحاول موازنة المخاطر الجيوسياسية مع مؤشرات الطلب والتخزين والإنتاج.

وتشير تقارير الجهات المتخصصة، ومنها منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، إلى أن أبرز العوامل التي دعمت ارتفاع الأسعار تمثلت في الآتي:

أولاً: ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية
مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق سلام قريب بين الولايات المتحدة وإيران، اتسعت المخاوف من احتمال استمرار اضطراب الإمدادات، خصوصاً أن منطقة الشرق الأوسط تُعد من أهم مصادر الإمدادات العالمية للنفط. كما أن أي تهديدات مرتبطة بممرات بحرية استراتيجية ترفع تكلفة التأمين وتسهم في تشديد شروط الشحن، ما ينعكس غالباً على أسعار العقود الآجلة.

ثانياً: استمرار التوترات في شرق أوروبا وتأثيرها في منظومة الطاقة الروسية
تواصلت المخاطر الجيوسياسية في شرق أوروبا، وما يرتبط بها من استهدافات للبنية التحتية للطاقة في روسيا. وتشمل هذه الاستهدافات مصافي التكرير في مناطق مثل تتارستان و”Orsk”، وهو ما ساهم في تراجع صادرات المنتجات النفطية الروسية عبر النقل البحري بشكل حاد، وبالتالي يدعم أسعار النفط الخام كسلعة بديلة عند حدوث اختناقات في سلاسل التكرير والتوزيع.

ثالثاً: اضطرابات في قطاع الإمداد الليبي
أعلنت ليبيا حالة الطوارئ القصوى نتيجة الاعتداءات المتكررة التي تستهدف منشآت نفطية، بما في ذلك مصفاة الزاوية وخزان جازولين السيارات التابع لشركة البريقة. وقد أدت هذه التطورات إلى أضرار جسيمة وخلقت مخاوف حقيقية من استمرار تأثيرها على عمليات الإنتاج والتخزين والتوزيع، بما يعني عملياً احتمال تقلبات إضافية في حجم المعروض أو في كلفة تشغيل المنشآت.

رابعاً: تهديد سلامة الملاحة في مضيق هرمز
تعرّضت ناقلتان تابعتان لشركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” أثناء عبورهما مضيق هرمز، ما شكّل تهديداً مباشراً لأمن الملاحة البحرية. وتعني مثل هذه الحوادث أن السوق تتعامل مع احتمال تعطّل جزئي في تدفقات الشحن، وهو ما يرفع علاوة المخاطر فوراً ويزيد من حساسية الأسعار لأي تطورات لاحقة.

في المقابل، توجد عوامل حدّت من قوة الارتفاع ووضعت بعض الضغوط السعرية، أبرزها:

أولاً: تراجع توقعات النمو في الطلب العالمي
خفضت منظمة أوبك ووكالة الطاقة الدولية تقديراتهما لنمو الطلب العالمي على النفط خلال عام 2026. وتأتي هذه المراجعات في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز وما يصاحبه من ارتفاع أسعار الوقود، إضافة إلى تأثيرات اقتصادية غير مباشرة مثل تغير أنماط الاستهلاك وكفاءة الطاقة في بعض الأسواق.

ثانياً: ارتفاع مخزونات النفط الخام الأمريكية
ارتفعت مخزونات النفط الخام التجارية الأمريكية بنحو 17.4 مليون برميل، وهو أعلى وتيرة أسبوعية منذ يناير 2023، لتصل إلى 424.4 مليون برميل. كما ارتفع صافي الواردات ليصل إلى نحو 4.3 مليون بي يومياً، وهو أعلى مستوى مسجل منذ يونيو 2025. وتعتبر هذه المؤشرات عادةً داعمة لفكرة توفر المعروض على المدى القريب داخل الولايات المتحدة، ما قد يحد من استمرار صعود الأسعار.

ثالثاً: زيادة منصات الحفر في الولايات المتحدة
ارتفع عدد منصات حفر النفط العاملة في الولايات المتحدة للأسبوع الثالث على التوالي، ليصل إلى 455 حفارة، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2025. وتُعد هذه الخطوة إشارة مبكرة لاحتمال زيادة إنتاج النفط الأمريكي خلال الأشهر المقبلة، ما قد يخفف أي فجوة محتملة في الإمدادات إذا تحققت وتيرة التطوير.

إثر هذه التطورات، يبدو أن تحرك الأسعار ارتبط بمرجعية مزدوجة: من جهة، عوامل جيوسياسية ترفع تكلفة المخاطر وتستدعي علاوات زمنية في العقود الآجلة، ومن جهة أخرى، بيانات مخزونات وواردات ومنصات تعكس قدرة سوق النفط على امتصاص بعض الصدمات على المدى القصير.

ولتعزيز الصورة بشكل أكبر، يتوقع المتابعون أن تظلّ حركة الأسعار مرهونة بثلاثة محاور رئيسية خلال الأسابيع المقبلة: أولها وتيرة تطورات الممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط، وثانيها أي تغيرات سريعة في مستويات المخزون والإنتاج داخل الولايات المتحدة، وثالثها مؤشرات الطلب العالمية التي قد تعيد الأسواق تسعير توقعاتها إذا طرأت تغييرات على النمو أو على تكاليف الطاقة.

وباختصار، فإن مكاسب النفط الأسبوعية جاءت مع تراجع نسبي للتوترات في بعض الجبهات، لكن مع بقاء علاوة المخاطر مرتفعة بفعل أحداث أثرت في الإمدادات والملاحة والتكرير، بينما حدّت توقعات الطلب وارتفاع المخزونات ومنصات الحفر من تمدد الارتفاع بشكل أكبر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *